أما نَزْغ الشيطان فهو أن ينتقل الشيطان من معصية إلى أخرى محاولاً غواية الإنسان ؛ إنْ وجده رافضاً لمعصية ما ؛ انتقل بالغواية إلى غيرها ؛ لأن الشيطان يريد الإنسان عاصياً على أيِّ لَوْن ؛ فالمهم أنْ يعصي فقط ؛ لذلك يحاول أن يدخل الإنسان من نقطة ضعفه ؛ فإنْ وحده قوياً في ناحية اتجه إلى أخرى .
ويعلن الشيطان أنه ليس المَلُوم على ذلك:
{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ ...} [إبراهيم: 22] .
فالملُوم هنا هو مَنْ أقبل على المعصية ؛ لا مَنْ أغوى بها .
ويستمرالحق سبحانه في فَضْح ما يقوله الشيطان لمَنْ أغواهم في اليوم الآخر:
{مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ... .} [إبراهيم: 22] .
هذا هو قَوْل الشيطان الذي سبق وأنْ تعالى على آدم لحظة أنْ طلب منه الحق سبحانه أن يسجدَ له مع الملائكة ؛ ولكن الموقف هنا هو التساوي بين الذين أغواهم وبينه ؛ فهو يعلن أنه لن ينفعهم وهم لن ينفعونه .
والمُصْرِخ من مادة الصِّراخ من صرخ ، وهو رَفْع الصوت بغرض أن يسمعه غيره ؛ ولا يطلب مَنْ يصرخ شيئاً آخر غير المعونة فلو أن أحداً عثر على كنز تحت قدميه فلن يصرخ ؛ بل يلتفَّت حوله ليرى: هل هناك مَنْ رآه أم لا؟
أما إنْ هاجمه أسد فلا بُدَّ أن يصرخ طالباً النجاة ، وهكذا يكون الصراخ له مَأْرب طَلبِ المعونة ؛ وهذا لا يتأتَّى إلا ممَّنْ يخاف من مِفُزِع .
و"مُصرِخ"يدل على الفعل"أصرخ"، وهو فعل دخلت عليه ما يُسمّى في اللغة"همزة الإزالة". والمثل هو كلمة"معجم"أي: الذي يدلُّك على معنى للفظ لُيُزيلَ إبهامه ؛ فيقال"أعجم الكتاب"أي: أزال إبهامه ، وهذه الهمزة التي دخلتْ تُوضِّح إزالة العُجْمة عن الكلمة .