ولذلك نجد الحق سبحانه يوضح لنا المسافة بين الحق والباطل فيقول: {فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} [الرعد: 17] .
وهكذا يحاول الشيطان أن يُبرِّيء نفسه رغم عِلْمه أنه قد وعد ، وهو لا يملك إنفاذ ما وعد به ؛ ولذلك يحاول أن يلصق التهمة بِمَنْ اتبعوه مثله مثل أولئك الذين قالوا: {لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ ...} [إبراهيم: 21] .
فيقول الشيطان من بعد ذلك:
{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي} [إبراهيم: 22] .
والسلطان - كما نعلم - إما سلطانَ قَهْر أو سلطانَ إقناع . وسلطان القَهْر يعني أن يملك أحدٌ من القوة ما يقهر به غيره على أنْ يفعلَ ما يكره ، بينما يكون كارهاً للفعل .
أما سلطان الحجة فهو أن يملك منطقاً يجعلك تعمل وفق ما يطلبه منك وتحب ما تفعل ، وهكذا يعترف الشيطان للبشر يوم الحشر الأعظم ؛ ويقول: أريد أنْ أناقشكم ؛ هل كان لي سلطان قَهْريّ أقهركم به؟ هل كان لي سلطان إقناع أقعنكم به على اتباع طريقي؟
لم يكن لي في دنياكم هذه ولا تلك ، فلا تتهموني ولا تجعلوني"شماعة"تُعلِّقون عليّ أخطاءكم ؛ فقد غويتُ من قبلكم وخالفتُ أمر ربي ؛ ولم يكن لي عليكم سلطان سوى أن دعوتُكم فاستجبتم لي .
وكل ما كان لي عندكم أنِّي حرَّكْتُ فيكم نوازع أنفسكم ، وتحرَّكت نوازع أنفسكم من بعد ذلك لِتُقبِلوا على المعصية .
إذن: فالشيطان إما أنْ يُحرِّك نوازع النفس ؛ أو يترك النفس تتحرك بنوازعها إلى المعصية ؛ وهي كافية لذلك .
وسبق أنْ أوضحتُ كيف تُعْرف المعصية ، إن كانت من الشيطان تسويلاً استقلالياً أو تسويلاً تبعياً ؛ فإنْ وقفتْ النفس عند معصية بعينها ؛ وكلما أبعدها الإنسان تُلِح عليه ؛ فهذا هو ما تريده النفس من الإنسان حيث تطلب معصية بعَينها .