والذي يظهر لي أن هذه القراءة قرأ بها بنو يَربوع من تميم ، وبنو عِجل بن لُجيم من بكر بن وائل ، فقرأوا بلهجتهم أخذاً بالرخصة للقبائل أن يقرأوا القرآن بلهجاتهم وهي الرخصة التي أشار إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه"كما تقدم في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير ، ثم نسخت تلك الرخصة بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الأعوام الأخيرة من حياته المباركة ولم يثبت مما ينسخها في هذه الآية.
واستقر الأمر على قبول كل قراءة صح سندها ووافقت وجهاً في العربية ولم تخالف رسم المصحف الإمام.
وهذه الشروط متوفرة في قراءة حمزة هذه كما علمت آنفاً فقصارى أمرها أنها تتنزل منزلة ما ينطق به أحد فصحاء العرب على لغة بعض قبائلها بحيث لو قرئ بها في الصلاة لصحت عند مالك وأصحابه.
وجملة {إنى كفرت بما أشركتمون من قبل} استئنافُ تَنَصُّل آخر من تبعات عبادتهم إياه قصد منه دفع زيادة العذاب عنه بإظهار الخضوع لله تعالى.
وأراد بقوله: {كفرتُ} شدة التبري من إشراكهم إياه في العبادة فإن أراد من مضي {كفرت} مضي الأزمنة كلها ، أي كنت غير راضضٍ بإشراككم إياي فهو كذب منه أظهر به التذلل ؛ وإن كان مراده من المضي إنشاء عدم الرضى بإشراكهم إياه فهو ندامة بمنزلة التوبة حيث لا يقبل متاب.
و {من قبل} على التقديرين متعلق بـ {أشركتمون} .
والإشراك الذي كفر به إشراكهم إياه في العبادة بأن عبدوه مع الله لأن من المشركين من يعبدون الشياطين والجن ، فهؤلاء يعبدون جنس الشيطان مباشرة ، ومنهم من يعبدون الأصنام فهم يعبدون الشياطين بواسطة عبادة آلهته.
وجملة {إن الظالمين لهم عذاب أليم} من الكلام المحكي عن الشيطان.
وهي في موقع التعليل لما تقدم من قوله: {ما أنا بمصرخكم} ، أي لأنه لا يدفع عنكم العذاب دَافع فهو واقع بكم.