16 -قوله تعالى: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} قال ابن عباس والمفسرون: يريد أمامه جهنم بين يديه، ووراء يكون لخلف وقُدَّام، وإنما معناه ما توارى عنك؛ أي: ما اسْتَتَر عنك فعلى هذا إنما قيل (من ورائه) لما بين يديه؛ لاستتاره عنه، فصار كما يكون خلفه لمّا كان لا يراه. وذهب قوم إلى أن الوراء من الأضداد؛ يكون الخلف والقُدَّام، وهو قول أبي عبيدة، وابن السِّكِّيت، وأبي الهيثم.
قال أهل المعاني: وإنما جاز ذلك لأنه ما من مكان إلا ويصح أن يكون خلفًا وقدامًا، ولمّا كان ما هو خلف يجوز أن يصير قدامًا، جاز أن يقع الوراء على القُدَّام، ومن هذا قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف:79] ، أي: أمامهم، ويقال: الموت من وراء الإنسان، أي: أمامه، وذكر ابن الأنباري وجهًا ثالثًا؛ وهو: أن وراء هاهنا بمعنى بعد، والكناية فيه تعود إلى اليأس الذي دلَّ عليه قوله: {وَخَابَ} كأنه قال: من بعد يأسه جهنم، كقول النابغة:
ولَيْسَ وَرَاء اللهِ للمَرْءِ مَذْهَبُ
أي: وليس بعد الله مذهب.
وقال مقاتل: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ} يعني بَعْده، وهذا على معنى أن جهنم تلحقه، وأن عاقبته تصير إليها؛ كما يقال: وراءك برد شديد؛ أي:
أنه يأتيك ويبلغك، وأنا من وراء هذا الأمر، أي: أصل إليه طالبًا، ومنه قول لبيد:
أَلَيْسَ وَرَائِي إنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتي ... لُزُومُ العَصَا تُحْنَى عليها الأصَابعُ
جعل الشيب وزمانه وراءه، على معنى أنه يأتيه ويلحقه. وبقي شيء من الكلام في وراء سنذكره عند قوله: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف: 79] ، إن شاء الله.
وقوله تعالى: {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} الصديد في اللغة: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح، يقال: أصَدَّ الجرح.
قال ابن عباس: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزُناة، وهو قول القرظي، والربيع.