ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلام: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمَْ}
والمعنى هنا: إن كان الله سبحانه يريد أن يغويكم فلن تنتفعوا بالنصيحة إن أردت أن أنصحكم ؛ لأن الآية بها تعدُّد الشرطين .
ومثال ذلك من حياتنا: حين يطرد ناظر المدرسة طالباً ، عقاباً له على خطأ معين ، فالطالب قد يستعطف الناظر ، فيقول الناظر:"إن جئتني غداً أقبل اعتذارك إنْ كان معك والدك".
وقول الناظر:"إن كان معك والدك"هو شرط متأخِّر ، ولكنه كان يجب أن يتقدَّم .
وفي الآية الكريمة التي نحن بصددها جاء الشرط الأول متأخِّراً ، ولكن هل يغوي الله سبحانه عِبادَه؟
لا ، إنه سبحانه يهديهم ، والغواية هي الضلال والبعد عن الطريق المستقيم .
والحق سبحانه يقول عن محمد صلى الله عليه وسلم:
{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى} [النجم: 2] .
وقال سبحانه عن آدم عليه السلام حين أكل من الشجرة:
{وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى} [طه: 121] .
ونحن يجب ألاَّ نقع في الآفة التي يخطئ البعض بها ، حين يستقبلون ألفاظ العقائد على أساس ما اشتهر به اللفظ من معنى ؛ فالألفاظ لها معانٍ متعددة .
لذلك لا بد أن نعرض كل معاني اللفظ لنأخذ اللفظ المناسب للسِّياق .
ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه:
{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} [مريم: 59] .
وقوله سبحانه هنا: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} .
أي: سوف يلقون عذاباً ، لأن غَيَّهم كان سبباً في تعذيبهم ، فسمَّى العذاب باسم مُسبِّبه .
ومثل قول الحق سبحانه:
{وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] .
والحق سبحانه لا يُسيء لعباده ، ولكنهم هم الذين يُسيئون لأنفسهم ، فسمَّى ما يلقاهم من العذاب سيئةً .