وكذلك"الغَيُّ"يرد بمعنى"الإغواء"، ويرد بمعنى الأثر الذي يترتب عن الغي من العذاب .
وقد عرض الحق سبحانه وتعالى في كتابه صوراً متعددة للإغواء ، فآدم عليه السلام حين تَنكَّبَ عن الطريق ، وأكل من الشجرة المحرَّمة رغم تحذير الحق سبحانه له ألاّ يقربها ، قال الحق سبحانه وتعالى في هذا الموقف:
{وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى} [طه: 121] .
وقد فعل آدم عليه السلام ذلك بحكم طبيعته البشرية ، فأراد الله تعالى أن يعلمه أنه إذا خالف المنهج في"افعل"و"لا تفعل"ستظهر عورته وتبدو له سوءاته .
وهكذا أخذ آدم عليه السلام التجربة ليكون مُستعِداً لاستقبال المنهج والوَحْي .
وقد ذكر لنا الحق سبحانه كلمات الشيطان بقوله:
{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] .
ولكن هل أغوى الله سبحانه الشيطان؟
إن الحق سبحانه لا يُغْوِي ، ولكنه يترك الخيار للمكلَّف إن شاء أطاع ، وإن شاء عَصَى .
ولو أنه سبحانه وتعالى جعلنا مؤمنين لما كان لنا اختيار ، فإن أطاع الإنسان نال عطاء الله ، وإن ضَلَّ ، فقد جعل الله له الاختيار ، ووَجَّهه لغير المراد مع صلاحيته للمراد .
إذن: فالاختيار ليس مقصوراً على الإغواء بل فيه الهداية أيضاً ، والإنسان قادر على أن يهتدي ، وقادر على أن يضلَّ .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ إِنِ افتريته}
جاء هذا القول في صُلْب قصة نوح عليه السلام وقد يكون مما أوحى به الله سبحانه لنوح عليه السلام ، أو يكون المراد به أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام .
والافتراء كما نعلم هو الكذب المتعمِّد الذي يناقض واقعاً .