وانظروا إلى كل ما جاء بالمنهج ليلتزم به الفرد ، ستجدون أنه مُلْزِمٌ للجميع ، وستكون الفائدة التي تعود عليك بالتزام الجميع بما فيهم أنت فائدة كبيرة ، فإن قال لك المنهج: لا تسرقْ ؛ فهذا أمانٌ لك من أن يسرقك الناس .
ولذلك فساعة تسمع للمنهج ، لا تنظرْ إلى المأخوذ منك ، بل التفتْ إلى المأخوذ لك .
وعلى ذلك لا يمكن أن يكون المنهج افتراء .
ونحن نعلم أن المنهج يؤسِّس في المجتمعات مقاييس عادلة للاستقامة ، وحين يُشَرِّع الحق سبحانه تشريعاً ، قد يبدو لك أنه يُحِدُّ من حريتك ، ولكنه في الواقع يُحقِّق لك منافع متعدِّدة ، ويحميك من أن يعتدي الآخرين عليك .
وكان الردُّ على الاتهام بالافتراء يتمثَّل في أمرين: إما أن يفتروا مثله ، أو أن يتحمَّل هو وِزْرُ إجرام الافتراء .
وإن لم يكن قد افتراه ، فعليهم يقع وِزْرُ إجرامهم باتِّهامه أنه قد افترى .
وأسلوب الآية الكريمة يحذف عنهم البراءة في الشطر الأول منها ، ولو جاء بالقول دون احتباك ، لقال سبحانه: قل إن افتريته فعليَّ إجرامي وأنتم براءه منه ، وإنْ لم أفْتَرِ فعليكم إجرامكم وأنا برئ .
وجاء الحذف من شِقِّ المقابل من شِقِّ آخر ، وهذا ما يسمَّى في اللغة"الاحتباك".
والحق سبحانه وتعالى يقول:
{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله} [البقرة: 249] .
والفئة القليلة تكون قلَّتُها في الأفراد والعَتَاد وكلِّ لوازم الحرب ، والفئة الكثيرة ، تظهر كثرَتها في العُدَّة والعَدَد وكلِّ لوازم الحرب ، والفئة القليلة إنما تَغْلِب بإذن الله تعالى .
وهكذا يوضِّح الحق سبحانه أن الأسباب تقضي بغلبة الفئة الكثيرة ، لكن مشيئته سبحانه تغلب الأسباب وتصل إلى ما شاءه الله تعالى .
ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى:
{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ} [آل عمران: 13] .