والفلاح الذي يأخذ من مخزنة إردبّاً ؛ ليزرعه ، وهو في هذه الحالة لا ينقص مخزنه ؛ لأنه سيعود بعد فترة بخسمة عشر إردبّاً .
وهكذا من ينفِّذ التكاليف يعود عليه كل خير ؛ ولذلك أقول: انظر في استقبالات منهج الله تعالى فيما تعطيه ، لا فيما تأخذه .
وهكذا ترى أنه لا ظلم ؛ لأننا صنعة الله ، فهل رأيتم صانعاً يفسد صنعته؟
إذن: فالصانع الأعلى لا يظلم صنعته ولا يفسدها أبداً ، بل يُحسِّنها ويعطيها الجمال والرونق ؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] .
أي: أن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ، ومن الظلم جَحْد الحق ، وهذا هو الظلم الأعلى ، ومن الظلم أن يعطى الإنسان نفسه شهوة عاجلة ؛ ليذوق من بعد ذلك عذاباً آجلاً ، وهو بذلك يحرم نفسه من النعيم المقيم ، وهو حين يظلم نفسه يكون قد افتقد القدرة على قياس عمره في الدنيا ، فالعمر مهما طال قصير ، وما دام الشيء له نهاية فهو قصير .
والحق سبحانه وتعالى حين يخاطب الناس ، فهو قد نصب لهم آيات باقية إلى أن تقوم الساعة ، وكلهم شركاء فيها ، وهي الآيات الكونية ، وبعد ذلك خَصَّ كل رسول بآية ومعجزة ، وأنزل منهجاً ب"افعل"و"لا تفعل"، وبيَّن في آيات الكتاب ما المطلوب فعله ، وما المطلوب أن نمتنع عنه ، وترك لك بقية الأمور مباحة .
والمثال الذي أضربه دائماً: هو التلميذ الذي يرسب آخر العام ، هذا التلميذ لم تظلمه المدرسة ، بدليل أن غيره قد نجح ؛ لذلك لا يصح أن يقال: إن المدرسة أسقطت فلاناً ، ولكن الصحيح أن نقول: إن فلاناً قد أسقط نفسه ، وأن زميله قد أنجح نفسه ، ودور المدرسة في ذلك هو إعلان النتيجة .