ولا أقوى من الله سبحانه يمكن أن يُكلِّف لتفعل غير ما يريد الله ؛ لذلك شاء الحق سبحانه أن يكتمل للإنسان الرشد ساعة التكليف ، أم المجنون فلم يكلفه الله سبحانه ، وكذلك يسقط التكليف عن المُكْرَه ؛ لأن التكليف في مضمونه هو اختيار بين البدائل ، وهذه منتهى العدالة في التشريع .
وأنت حين تستقبل التكليف عليك ألا تنظر إلى ما تأخذه منك العبادات ، لأنها لا تأخذ من حريتك ، بل تحترم أنت حرية الآخرين ، ويحترمون هم حريتك ، فإن حرَّم عليك أن تسرق ، فهو سبحانه قد حماك بأن حرَّم على جميع الخلق أن يسرقوا منك .
إذن: فالقيد قد جاء لصالحك .
وهَبْ أنك أطلقت يدك في الناس ، فماذا تصنع لو أطلقوا هم أياديهم فيما تملك؟
وحين حرَّم عليك التكليف أن تنظر إلى محارم غيرك ، فهو قد حرم على الغير أن ينظروا إلى محارمك .
وحين أمرك أن تزكِّي ، فهو قد أخذ منك ؛ ليعطي الفقير من المال الذي استخلفك الله فيه .
فلا تنظر إلى ما أخذ منك ، بل انظر إلى ما قد يعود عليك إن أصابك القدر بالفقر ، والشيء الذي تستشعر أنه يؤخذ منك فالله سبحانه يعطيك الثواب أضعافاً كثيرة .
وبعد ذلك انظر إلى حركة الحياة ، وانظرْ إلى ما حَرَّم الله تعالى عليك من أشياء ، وما حلَّل لك غير ذلك ؛ فستجد المباح لك أكثر مما منعك عنه .
إذن: فالتكليف لصالحك .
ثم بعد كل ذلك: أيعود شيء مما تصنع من تكاليف عل الحق سبحانه؟ لا .
أيعطيه صفة غير موجودة؟
لا ؛ لأن الحق سبحانه قد خلقنا بكل صفات كماله ، وليس في عملنا ما يزيده شيئاً .
إذن: فمن المصلحة أن تطبّق التكاليف لأنها تعود عليك أنت بالخير .
وانظر مثلاً إلى الفلاح في الحقل ، إنه يحرث الأرض ، وينقل السماد ، ويبذر ، ويروى ويتعب ، وبعد ذلك يستريح في انتظار الثمار .
وأنت حين تنفِّذ تكاليف الحق سبحانه فأنت تجد العائد ، وأنت ترى في حياتك أن الفلاح الكسول يصاب بحسرة يوم الحصاد ، فما بالنا بحساب الآخرة .