إذن: فالكلام ليس مجرد صوت يصل إلى الأذن ، لكن لا بد من استشراف نفسي للتقلي . وهم لا يملكون هذا الاستشراف ؛ لذلك قال الحق سبحانه: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم} [يونس: 42] أي: كان سمعهم لا يسمع .
ومثال ذلك: أننا نجد المدرس الذي يشرح الدرس للتلاميذ ، وبين التلاميذ من يستشرف السمع ؛ ولذلك يفهم الدرس ، أما الذي لا يستشرف فكأنه لم يسمع الدرس .
وهم قد فاتوا الصُّمَّ ؛ لأن الأصم قد يفهم بالحركة أو الإشارة أو لغة العين ، ولكن هؤلاء لا يسمعون ولا يعقلون {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ} [يونس: 42] .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ}
والرؤى أيضاً تحتاج إلى استشراف ، وأن يُقْبِل المرء على ما يريد أن يراه ، وأحياناً لا يكون الرائي مستشرفاً ؛ لأن قلبه غير متجه للرؤية .
وسئُل واحد: إنك تقول: من رأى فلاناً الصالح يَهْده الله . فردَّ عليه السامع متسائلاً: كيف تقول ذلك؟! فردَّ القائل: لقد رأى أبو جهل خيراً من هذا ، ومع ذلك ظل كافراً . فردَّ السامع: إن أبا جهل لم يَرَ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه رأى يتيم أبي طالب .
وهكذا شرح الرجل أن أبا جهل لم ينظر إلى محمد صلى الله عليه وسلم على أنه رسول ؛ لأنه لو نظر إليه بهذا الإدراك لتسللت إليه سكينة الإيمان وهَيبة الخشوع وجلال الورع .
ونحن قد نلقى رجلاً صالحاً في بشرته أدْمة أو سواد ، وصلاحه يضيء حوله ، وله أسْر من التقوى ، وجاذبية الورع .
ولو أن أبا جهل رأى محمداً صلى الله عليه وسلم على أنه رسول لتغيَّر أمره .