ثم انتقل إلى حجة رابعة ، فقال: {وَمَن يُدَبّرُ الأمر} أي: يقدّره ويقضيه ، وهذا من عطف العام على الخاص ؛ لأنه قد عمّ ما تقدّم وغيره {فَسَيَقُولُونَ الله} أي: سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهامات إن الفاعل لهذه الأمور هو: الله سبحانه ، إن أنصفوا وعملوا على ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم ، وارتفاع الاسم الشريف على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف ، أي: الله يفعل ذلك ، ثم أمره الله سبحانه بعد أن يجيبوا بهذا الجواب أن يقول لهم: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} والاستفهام للإنكار ، والفاء للعطف على مقدّر: أي تعلمون ذلك ، أفلا تتقون وتفعلون ما يوجبه هذا العلم من تقوى الله الذي يفعل هذه الأفعال.
{فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحق} أي: فذلكم الذي يفعل هذه الأفعال هو ربكم المتصف بأنه الحق ، لا ما جعلتموهم شركاء له ، والاستفهام في قوله: {فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال} للتقريع والتوبيخ ، إن كانت"ما"استفهامية ، لا إن كانت نافية كما يحتمله الكلام ، والمعنى: أيّ شيء بعد الحق إلا الضلال ، فإن ثبوت ربوبية الربّ سبحانه حق بإقرارهم ، فكان غيره باطلاً ، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وصفاته {فأنى تُصْرَفُونَ} أي: كيف تستجيزون العدول عن الحق الظاهر ، وتقعون في الضلال إذ لا واسطة بينهما؟ فمن تخطى أحدهما وقع في الآخر ، والاستفهام للإنكار والاستبعاد والتعجب {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى الذين فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال ، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق ، كذلك حقت كلمة ربك: أي حكمه وقضاؤه على الذين فسقوا: أي خرجوا من الحق إلى الباطل ، وتمرّدوا في كفرهم عناداً ومكابرة ، وجملة {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بدل من الكلمة.