{ولكن} كان {تصديق الذي بين يديه} من الكتب المنزلة لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها ، ونفس هذا التصديق أيضاً معجز لأن أقاصيصه موافقه لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ ، ولأن بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه ، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة فيقع مطابقاً فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية والمستقبلة. أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: {وتفصيل الكتاب} أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] قال في الكشاف قوله: {لا ريب فيه من رب العالمين} داخل في حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين ، وجوز أن يكون {من رب العالمين} متعلقاً بتصديق وتفصيل و {لا ريب فيه} اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم. والمعنى ولكن كان تصديقاً من رب العالمين وتفصيلاً منه لا ريب فيه. ثم أعاد بيان إعجازه مرة أخرى فقال مستفهماً على سبيل الإنكار {أم يقولون افتراه قل} إن كان الأمر كما تزعمون {فأتوا} أنتم على وجه الافتراء {بسورة مثله} في البلاغة وحسن النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة {وادعوا من استطعتم من دون الله} أي لا تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه {إن كنتم صادقين} أنه افتراه. قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية ، فلعل المراد بالسورة المتحدّي بها هذه السورة. والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة. قالت المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحدّ العرب به لكنهم تحدّوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديماً والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي. وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة ، والتحدي إنما وقع بهذه