وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط، ولا يظلمهم ولا يترك حقهم.
فالأبرار المقتصدون قطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر الله، وعقد القلب على ترك مخالفته ومعاصيه.
فهممهم مصروفة إلى القيام بالأعمال الصالحة، واجتناب الأعمال القبيحة.
فأول ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى قلبه القيام إلى الوضوء والصلاة كما أمره الله، فإذا أدى فرض وقته اشتغل بالتلاوة والأذكار المشروعة إلى حين تطلع الشمس، ثم ذهب إلى ما أقامه الله فيه من الأسباب المشروعة.
فإذا حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف الأول من المسجد، فأدى صلاته كما أمر، مكملاً لها بآدابها وأركانها وسننها، وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة، والحضور بين يدي الرب.
فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه، وسائر أحواله، آثاراً تبدو على صفحاته ولسانه وجوارحه.
ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله، وقلة التكالب والحرص على الدنيا.
قد نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر، وحببت إليه لقاء الله، ونفرته من كل قاطع يقطع عن الله والدار الآخرة، فهو مهموم مغموم كأنه في سجن حتى تحضر الصلاة، فإذا حضرت قام إلى نعيمه وسروره وقرة عينه.
هذا وهم في ذلك كله مراعون في حفظ السنن، لا يُخِلُّون منها بشيء ما أمكنهم.
فيقصدون من الوضوء أكمله .. ومن الوقت أوله .. ومن الصفوف أولها، عن يمين الإمام، أو خلف ظهره.
ويأتون بعد الفريضة بالأذكار المشروعة، ثم يركعون السنة على أحسن الوجوه، هذا دأبهم في كل فريضة.
فإذا كان قبل غروب الشمس توافروا على أذكار المساء الواردة في السنة، نظير أذكار الصباح الواردة في أول النهار، لا يُخِلُّون بها أبداً.
فإذا جاء الليل كانوا فيه على منازلهم من مواهب الرب سبحانه التي قسمها بين عباده، فإذا أخذوا مضاجعهم أتوا بأذكار النوم الواردة في السنة، فلا يزال يذكر الله على فراشه حتى يبلغه النوم وهو يذكر الله.
فهذا منامه عبادة وزيادة له في قربه من الله، فإذا استيقظ عاد إلى عادته الأولى.
ومع هذا فهو قائم بحقوق العباد: