وحاصل المعنى: أي إن ربكم هو الله الذي خلق العوالم السماوية التي فوقكم، وهذه الأرض التي تعيشون على ظهرها في ستة أزمنة، قد تم في كل زمن منها، طور من أطوارها، وقدرها بمقادير أرادها، ثم استوى على عرشه الذي جعله مركز هذا التدبير لهذا الملك العظيم، استواء يليق بعظمته وجلاله، حالة كونه يدبر أمر ملكه بما اقتضاه علمه من النظام، واقتضته حكمته من الأحكام، ولا يستنكر من هو رب هذا الخلق المدبر لأمور عباده، أن يفيض ما شاء من علمه على من اصطفى من خلقه، ما يهديهم به، لما فيه كمالهم من عبادته، وشكره، وبذلك تصلح أنفسهم، وتطهر قلوبهم، وتستنير أفئدتهم، لتتم لهم بذلك الحياة السعيدة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، كما لا يستنكر أن هذا الوحي منه عَزَّ وَجَلَّ، إذ هو من كمال تقديره وتدبيره، ولا يقدر عليه سواه. وترك العاطف في قوله: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} لأن جملته كالتفسير والتفصيل لما قبلها. وقيل: هي في محل نصب على الحال من ضمير استوى، كما أشرنا إليه في الحل. وقيل: مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وأصل التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها، لتقع على الوجه المقبول، واشتقاقه من الدبر كما سيأتي في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى. وقال مجاهد معناه: يقضيه ويقدره وحده. وقيل: يبعث الأمر. وقيل: ينزل الأمر. وقيل: يأمر به ويمضيه، والمعنى متقارب، والأمر: الشأن، وهو أحوال ملكوت السماوات والأرض والعرش وسائر الخلق. وقال أبو السعود: والمراد بالأمر: ملكوت السماوات والأرض والعرش، وغير ذلك من الجزئيات الحادثة، شيئًا فشيئًا على أطوار شتى لا تكاد تحصى، اهـ.
قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية، كانوا يقولون: إن الأصنام شفعاؤنا عند الله.