وحاصل المعنى على القراءة الثانية أعني القراءة على صيغة اسم الفاعل؛ أي: إن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم، قالوا متعجبين: إن هذا الذي يدعي أنه رسول وهو محمَّد، - صلى الله عليه وسلم - ، ساحر ظاهر. وعلى القراءة الأولى، أعني؛ قراءة المصدر؛ أي: إن هذا القرآن لكذب ظاهر ووصف الكفار القرآن بكونه سحرًا، يدل على عظم القرآن عندهم من حيث تعذر المعارضة عليهم فيه، فأرادوا بهذا الكلام أن القرآن كلام مزخرف، حسن الظاهر، ولكنه باطل في الحقيقة، وهذا ذم له، أو أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله جار مجرى السحر وهذا مدح له وإنما لم يؤمنوا به عنادًا.
3 -ثم إن الله سبحانه وتعالى جاء بكلام يبطل به العجب الذي حصل للكفار، من الإيحاء إلى رجل منهم فقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ} ومالككم ومعبودكم الذي يستحق منكم العبادة هو {اللَّهُ} ؛ أي: هو المعبود بحق الذي لا يعبد معه سواه {الَّذِي خَلَقَ} وأوجد {السماوات والأرض} واخترعهما على غير مثال سابق {في} مقدار {سِتَّةِ أَيَّامٍ} معلومة التي أولها الأحد، وآخرها الجمعة {ثُمَّ} بعد خلق السماوات والأرض {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} العظيم المخلوق قبلهما استواء يليق بعظمته وجلاله، لا يكيف ولا يمثل ولا يعطل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} حالة كونه {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} أي يدبر أمر ملكوت السماوات والأرض ويصرفها على الوجه الأكمل، ويقدرها ويقضيها بحسب ما اقتضته حكمته وتعلقت به إرادته.
أي: من كان له هذا الاقتدار العظيم الذي تضيق العقول عن تصوره كيف يكون إرساله لرسول إلى الناس من جنسهم، محلًا للتعجب؟ مع كون الكفار يعترفون بذلك، فكيف لا يعترفون بصحة هذه الرسالة بهذا الرسول؟