وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السّوابغ تبّع
ومثل ما أنشده أبو عبيدة من قوله: قضاهما داود ، قول الآخر:
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتّق
فالتقدير في قوله: لقضي إليهم أجلهم أي: لفرغ من أجلهم ومدّتهم المضروبة للحياة ، وإذا انتهت مدّتهم المضروبة للحياة ، هلكوا . وهذا قريب من قوله تعالى:
ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير ، وكان الإنسان عجولا [الإسراء/ 11] .
وقالوا للميّت: مقضّ ، كأنّه قضى إذا مات ، وقضّى: فعّل ، التقدير فيه: استوفى أجله ، وفرغ منه ؛ قال ذو الرّمّة:
إذا الشخص فيها هزّه الآل أغمضت ... عليه كإغماض المقضّي هجولها
المعنى: أغمضت هجول هذه البلاد على الشخص الذي فيها ، فلم ير لغرقه في الآل ، كإغماض المقضّي ، وهو الميّت ، لعينه ، وهذا في المعنى كقوله:
ترى قورها يغرقن في الآل مرّة ... وآونة يخرجن من غامر ضحل
فأما قوله سبحانه: لقضي إليهم أجلهم [يونس/ 11] وما يتعلّق به هذا الجارّ ، فإنه لمّا كان معنى قضى: فرغ ، وكان قولهم: فرغ ، قد يتعدّى بهذا الحرف في قوله:
ألان فقد فرغت إلى نمير ... فهذا حين صرت لهم عذابا
وفي التنزيل: سنفرغ لكم أيها الثقلان [الرحمن/ 31] أمكن أن يكون الفعل يتعدى باللام كما تعدى بإلى ، كما أن أوحى في قوله: وأوحينا إليه [يوسف/ 15] قد تعدى بإلى ، واللام في قوله: بأن ربك أوحى لها [الزلزلة/ 5] ، فلمّا كان معنى قضي فرغ ، وفرغ تعلّق بها إلى ، كذلك تعلّق بقضى .
ووجه قراءة ابن عامر: لقضى إليهم أجلهم على إسناد الفعل إلى الفاعل ؛ فلأن الذكر قد تقدم في قوله ولو يعجل
الله للناس الشر [يونس/ 10] . فقال: لقضى* على هذا ، ومن حجّته في ذلك قوله سبحانه: ثم قضى أجلا ، وأجل مسمى عنده [الأنعام/ 2] ، فهذا الأجل الذي في هذه الآية هو الأجل المضروب للمحيا ، كما أن الأجل في قوله: لقضى إليهم أجلهم كذلك .