2 - {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ } الآية.
كان للمشركين في شأْن الرسالة مواقف، فتارة بنكرون أن يكون الرسول بشرا، كقولهم {أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا} ويرون أنه تعالى لو أَراد أن يرسل رسولًا فإنه يختاره من الملائكة، وذلك ما حكاه الله عنهم بقوله: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} روى عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أَن الكفار قالوا لما بعث محمد: إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا.
وتارة يزعمون أن الله لو أَرسل رسولًا من البشر، فإنه يرسله من عظماء قومه في المال والجاه، كما حكى الله عنهم ذلك بقوله: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} ومن أَقبح ما جهلوا به في هذا الشأْن قولهم الْعجب أن الله تعالى لم يجد رسولًا يرسله إِلى الناس إِلا يتيم أبي طالب، وتلك النظرة الجاهلة ناشئة عن فرط
قصورهم في التفكير، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة، وقد كان أَكثر رسل الله خفاف الحال في شئون الدنيا، ثقال الموازين في الشرف وطيب المحتد، وكان صلى الله عليه وسلم واسطة عقدهم في جلائل الأَخلاق وشرف المنبع، فقد كان من أَعز أرومة في الجزيرة العربية والآية تنكر عليهم عجبهم من أَن يكون الرسول بشرا.
والمعنى: لا يصح لهؤلاءِ الناس أَن يتعجبوا من أننا أَوحينا إلى رجل منهم، أن ينذر الناس ويخوفهم عقاب الله إن عصوه وكفروا به، ويبشر الذين آمنوا برسالته، وعملوا الصالحات بأَن لهم سابقة محققة في الفضل وحسن الجزاءِ عند ربهم، فالنبوة للبشر لا للملائكة، كما تشهد به الكتب السماوية والتفاوت بين الناس ليس بالمال، ولا بالزعامة بل بالعقل والكمال والاستقامة، ورب رجل في أَعلى عليين بعقله وفضله، وآخر في أَسفل سافلين بجهله وحمقه، فما لهؤلاء المشركين ينكرون نُبُوةَ البشر ويطلبون رسلا من الملائكة، مع أنهم يستسيغون أُلوهية الحجر، {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .