{وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]
وهذا القول الحكيم قد أثبت للعرب حكماً يعتقدونه ، ونفى حكماً آخر يعتقدونه ، فالعرب كانت تعتقد أن الليل قبل النهار ، بدليل أن تحديد الليلة الأولى في رمضان هو الميعاد الذي يبدأ فيه شهر الصوم ، وما داموا قد حكموا بأن الليل هو الذي يسبق النهار ، فلا بد من حكم مقابل ؛ وهو أن النهار لا يسبق الليل .
وجاء القرآن إلى القضية المتفق عليها وتركها ، وهي أن النهار لا يسبق الليل مثلما اعتقد العرب ، ونفي القرآن أن يسبق الليل النهار . وكان المخاطب - إذن - يعتقد أن الليل يسبق النهار ، ويصحح الله المفاهيم فلا الليل يسبق النهار ولا النهار يسبق الليل .
وهكذا عرض الحق سبحانه للكونيات عرضاً رمزيّاً في القرآن ؛ لأنه لو جاء بالتوضيح العلمي لذلك لكَذَّب العرب القرآن ، فلو قال القرآن بصريح العبارة: إن الأرض كروية ، لعارض الناس ذلك وقت نزول القرآن ، وما زلنا نجد من يعارض تلك الحقيقة في أواخر القرن العشرين ؛ لذلك لم يكشف الحق كل الحقائق الكونية ، بل أشار إليها بما يحتمل قبول العربي البسيط لها .
وما دام لا يسبق النهار ، والنهار لا يسبق الليل ، فكيف جاء هذا الأمر - إذن؟
ونقول: هل خلق الله الشمسَ مواجهة لسطح الأرض أولاً ، ثم الشمس فجاء الليل؟ كان الأمر يصح لو أن الأرض كانت مسطوحة ، ولكن الحق سبحانه خلق الأرض كروية ، وذلك دليل على أن الحق سبحانه خلق الشمس والأرض على هيئة يوجد فيها الليل والنهار معاً ، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية ، فالنصف المواجه للشمس يكون الوقت فيه نهاراً ، وغير المواجه لها يكون الوقت فيه ليلاً ، ثم تدور الأرض ؛ فيأتي النهار إلى القسم الذي كان ليلاً ، ويأتي الليل للقسم الذي كان نهاراً .