وإذا ثبت هذا فنقول ههنا مذهبان: الأول: قول أصحابنا وهو أنه يحسن منه كلما أراد ، ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح ، وعلى هذا القول يسقط قول من يقول: لم خلق العالم في ستة أيام وما خلقه في لحظة واحدة ؟ لأنا نقول كل شيء صنعه ولا علة لصنعه فلا يعلل شيء من أحكامه ولا شيء من أفعاله بعلة ، فسقط هذا السؤال.
الثاني: قول المعتزلة وهو أنهم يقولون يجب أن تكون أفعاله تعالى مشتملة على المصلحة والحكمة.
فعند هذا قال القاضي: لا يبعد أن يكون خلق الله تعالى السماوات والأرض في هذه المدة المخصوصة ، أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين.
ثم قال القاضي:
فإن قيل: فمن المعتبر وما وجه الاعتبار ؟ ثم أجاب وقال: أما المعتبر فهو أنه لا بد من مكلف أو غير مكلف من الحيوان خلقه الله تعالى قبل خلقه للسموات والأرضين ، أو معهما ، وإلا لكان خلقهما عبثاً.
فإن قيل: فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد ؟ !
قلنا: إنه تعالى لا يخاف الفوت ، فلا يجوز أن يقدم خلق ما لا ينتفع به أحد ، لأجل حيوان سيحدث بعد ذلك ، وإنما يصح منا ذلك في مقدمات الأمور لأنا نخشى الفوت ، ونخاف العجز والقصور.
قال: وإذا ثبت هذا فقد صح ما روي في الخبر أن خلق الملائكة كان سابقاً على خلق السماوات والأرض.
فإن قيل: أولئك الملائكة لا بد لهم من مكان ، فقبل خلق السماوات والأرض لا مكان ، فكيف يمكن وجودهم بلا مكان ؟
قلنا: الذي يقدر على تسكين العرش والسماوات والأرض في أمكنتها كيف يعجز عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته ؟ وأما وجه الاعتبار في ذلك فهو أنه لما حصل هناك معتبر ، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما يشاهده حالاً بعد حال أقوى.
والدليل عليه: أن ما يحدث على هذا الوجه ، فإنه يدل على أنه صادر من فاعل حكيم.
وأما المخلوق دفعة واحدة فإنه لا يدل على ذلك.