قَالُوا: لِأَنَّ الْإِرَادَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْحَادِثِ. فَالْقَدِيمُ لَا يُرَادُ. فَهَؤُلَاءِ مُنْكِرُونَ لِإِرَادَةِ اللَّهِ غَايَةَ الْإِنْكَارِ. وَأَعْلَى الْإِرَادَةِ عِنْدَهُمْ: إِرَادَةُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالنِّكَاحِ وَاللِّبَاسِ فِي الْجَنَّةِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ. فَهَؤُلَاءِ فِي شِقٍّ، وَأُولَئِكَ - الَّذِينَ قَالُوا: لَمْ نَعْبُدْهُ طَلَبًا لِجَنَّتِهِ، وَلَا هَرَبًا مِنْ نَارِهِ - فِي شِقٍّ. وَهُمَا طَرَفَا نَقِيضٍ. بَيْنَهُمَا أَعْظَمُ مِنْ بُعْدِ الْمَشْرِقَيْنِ. وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَكْثَفِ النَّاسِ حِجَابًا، وَأَغْلَظِهِمْ طِبَاعًا، وَأَقْسَاهُمْ قُلُوبًا، وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ رُوحِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّأَلُّهِ، وَنَعِيمِ الْأَرْوَاحِ وَالْقُلُوبِ. وَهُمْ يُكَفِّرُونَ أَصْحَابَ الْمَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ إِلَى اللَّهِ وَالتَّلَذُّذِ بِحُبِّهِ، وَالتَّصْدِيقِ بِلَذَّةِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ، وَسَمَاعِ كَلَامِهِ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ.
وَأُولَئِكَ لَا يَعُدُّونَهُمْ مِنَ الْبَشَرِ إِلَّا بِالصُّورَةِ. وَمَرْتَبَتُهُمْ عِنْدَهُمْ قَرِيبَةٌ مِنْ مَرْتَبَةِ الْجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ. وَهُمْ عِنْدَهُمْ فِي حِجَابٍ كَثِيفٍ عَنْ مَعْرِفَةِ نُفُوسِهِمْ وَكَمَالِهَا، وَمَعْرِفَةِ مَعْبُودِهِمْ وَسِرِّ عُبُودِيَّتِهِ.
وَحَالُ الطَّائِفَتَيْنِ عَجَبٌ لِمَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ - وَهُوَ مُحَالٌ -: أَنْ يُرِيدَ اللَّهَ، وَلَا يُرِيدَ مِنْهُ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ مَطْلُوبُهُمْ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ فَفِي سَيْرِهِ عِلَّةٌ، وَأَنَّ الْعَارِفَ يَنْتَهِي إِلَى هَذَا الْمَقَامِ. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مُرَادَهُ، وَلَا يُرِيدُ مِنْهُ شَيْئًا. كَمَا يُحْكَى عَنْ أَبِي يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِي: مَا تُرِيدُ؟ فَقُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ لَا أُرِيدَ.