وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ عَيْنُ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ: عَقْلًا وَفِطْرَةً، وَحِسًّا وَشَرْعًا. فَإِنَّ الْإِرَادَةَ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيِّ. وَإِنَّمَا يَعْرِضُ لَهُ التَّجَرُّدُ عَنْهَا بِالْغَيْبَةِ عَنْ عَقْلِهِ وَحِسِّهِ؛ كَالسُّكْرِ وَالْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ. فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ التَّجْرِيدَ عَنْ إِرَادَةِ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي تُزَاحِمُ إِرَادَتُهَا إِرَادَتَهُ. أَفَلَيْسَ صَاحِبُ هَذَا الْمَقَامِ مُرِيدًا لِقُرْبِهِ وَرِضَاهُ، وَدَوَامِ مُرَاقَبَتِهِ، وَالْحُضُورِ مَعَهُ؟ وَأَيُّ إِرَادَةٍ فَوْقَ هَذِهِ؟
نَعَمْ. قَدْ زَهِدَ فِي مُرَادٍ لِمُرَادٍ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ وَأَعْلَى. فَلَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْإِرَادَةِ. وَإِنَّمَا انْتَقَلَ مِنْ إِرَادَةٍ إِلَى إِرَادَةٍ، وَمِنْ مُرَادٍ إِلَى مُرَادٍ. وَأَمَّا خُلُوُّهُ عَنْ صِفَةِ الْإِرَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، مَعَ حُضُورِ عَقْلِهِ وَحِسِّهِ فَمُحَالٌ.
وَإِنْ حَاكَمَنَا فِي ذَلِكَ مُحَاكِمٌ إِلَى ذَوْقٍ مُصْطَلِمٍ مَأْخُوذٍ عَنْ نَفْسِهِ، فَانٍ عَنْ عَوَالِمِهَا: لَمْ نُنْكِرْ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذِهِ حَالٌ عَارِضَةٌ غَيْرُ دَائِمَةٍ، وَلَا هِيَ غَايَةٌ مَطْلُوبَةٌ لِلسَّالِكِينَ، وَلَا مَقْدُورَةٌ لِلْبَشَرِ، وَلَا مَأْمُورٌ بِهَا، وَلَا هِيَ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ. فَيُؤْمَرُ بِاكْتِسَابِ أَسْبَابِهَا. فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...