أي: أنه أذن، ولكنه نعم الأذن؛ لأنه أذن خير، لا كما تزعمون، فهو لا يقبل مما يسمعه إلا ما يعتقد أنه الحق، وما فيه المصلحة للخلق، وليس بأذن في سماع الباطل، كالكذب والنميمة والجدل والمراء، وإذا سمعه من غير أن يستمع إليه لا يقبله ولا يصدق ما لا يجوز تصديقه، كما هو شأن الملوك والزعماء، الذين يتقرب إليهم أهل الأهواء بالسعاية لإبعاد الناصحين المخلصين عنهم، وحملهم على إيذاء من يبتغون إيذاءه. وقرأ جمهور القراء: {هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ} بالتثقيل، وقرأ نافع: {هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ} بإسكان الذال فيهما.
وقرأ الجمهور أيضًا: {أذُنُ خير} بالإضافة، وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن علي وأبا بكر عن عاصم في رواية: {قل أذنٌ خير} وجوزوا في {أُذُنٌ} ، أن يكون خبر مبتدأ محذوف، و {خَيْرٌ} خبر ثان لذلك المحذوف؛ أي: هو أذن هو خير لكم؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - يقبل معاذيركم ولا يكافئكم على سوء خلقكم، وأن يكون {خيرٌ} صفةً لـ {أذن} ؛ أي: أذنٌ ذو خير لكم.
ثم بيَّن الله سبحانه كونه - صلى الله عليه وسلم - ، أذن خير بقوله: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} ؛ أي: يصدق بالله، لما قام عنده من الأدلة، وبما يوحى إليه مما فيه خيركم وخير غيركم {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} ؛ أي: ويصدق المؤمنين الصادقي الإيمان من المهاجرين والأنصار، ويقبل قولهم فيما يخبرونه، لما علمه من آيات إيمانهم الذي يوجب عليهم الصدق فيما يحدِّثونه به، وفي هذا إيماءٌ إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يؤمن لهؤلاء المنافقين إيمان تسليم، ولا يصدقهم في أخبارهم، وإن وكدوها بالأيمان اغترارًا بلطيفه وأدبه - صلى الله عليه وسلم - ، إذ كان لا يواجه أحدًا بما يكره، وبمعاملته إياهم كما يعامل أمثالهم من عامة أصحابه.
وعدى فعل الإيمان بالباء إلى الله؛ لأنه قصد به التصديق بالله، الذي هو ضد الكفر به، وإلى المؤمنين باللام؛ لأنه قصد به السماع من المؤمنين أخبارهم، وأن يسلم لهم ما يقولونه، ويصدقه لكونهم صادقين عنده، ألا ترى إلى قوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} كيف ينبئ عن الباء.