الشرط لا بد وأن يكون جملة أي فحق أن له وقدر مقدمًا لأنها لا تقع في ابتداء الْكَلَام
كالمكسورة وجوز أن يكون الْمَحْذُوف مبتدأ وإن مع جملتها خبرًا. والْمَعْنَى فالأمر والشأن أن
له نار جهنم، وإنَّمَا اختاره الْمُصَنّف حذف الخبر؛ إذ المبتدأ لكونه مقصودًا ركن أعظم من
الْكَلَام فلا يصار إلَى حذفه ما أمكن حذف الخبر (أي فحق أن له أو عَلَى تكرير أن للتأكيد)
فلا حذف في الْكَلَام؛ إذ الْمَعْنَى فله نار جهنم وأن تكرير للأولى وللتأكيد لطول العهد كقوله:
لَقَدْ عَلِمَ الحيُّ اليَمانُونَ [أنَّنِي] ... إذا قُلْتُ أَمَّا بَعْدُ أني [خَطِيبُهَا]
وليس من التَّأْكيد الاصْطلَاحي وفي مثله لا بأس بالفصل أي الفصل به بين فاء الْجَزَاء
وما بعدها، فإنه لما كان هذا المكرر مقحمًا محضًا كانه لم يوجد لكن كونه زائد لا يمنع من
العمل نحو: (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) كذا أفاده العلامة فلا إشكال بأنه لما كان
تكرارًا للأول لم يعمل إلا فيما عمل فيه من غير أن ينفرد بعمل مع أن لها منصوبًا ومرفوعًا
غير منصوبها ومرفوعها وأنت تعلم أن هذا تكلف بل تعسف ولذا لم يرض به الْمُصَنّف
وأخَّره وزيفه.
قوله:(ويحتمل أن يكون مَعْطُوفًا عَلَى أنه ويكون الْجَوَاب مَحْذُوفًا تقديره من يحادد
الله ورسوله يهلك)وحِينَئِذٍ وجه العطف بالفاء للإشعار بالسببية ولا بعد في الحمل عَلَى
التعقيب وفيه بُعد؛ إذ الظَّاهر أن التوبيخ المُسْتَفَاد من الاسْتفْهَام الإنكاري راجع إلَى عدم
علمهم بأن له نار جهنم، والمفهوم من هذا العطف أنهم علموا بأن من يحادد الله ورسوله فله
نار جهنم لكنهم لم يعلموا أنهم لم يهلكوا فأنكر تَعَالَى ذلك وهذا بعيد جدًا وقد قيل إنه
بعيد لأن أبا حيان صرح بأنه لا يصح لأنهم نصوا عَلَى أن حذف الْجَوَاب إنما يكون إذا كان
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: أو عَلَى تكرير أن للتأكيد. قَالَ صاحب التقريب وفيه نظر؛ إذ يلزم الفصل بين المؤكد
والمؤكد بجملة الشروط وإيقاع أجنبي بين فاء الْجَزَاء وما في حيزه، ويشكل أَيْضًا نصب نار جهنم
قال الطيبي: قد سبق مرارًا أن مثل هذا التَّأْكيد مقحم بين الْكَلَام فلا يكون أجنبيًا. قال أبو البقاء: إنما
[كررت] كقَوْله تَعَالَى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) ثم قال:(إِنَّ
رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)والفاء جواب الشرط ومثله قول الحماسي:
وإنَّ [امرأً دامَتْ] مواثيقُ عهْدِه ... على مِثْلِ هذا إنَّهُ لكريمُ
وأما نصب النَّار فبين بمشكل لأنها ليست بزائدة حتى لا تعمل، ثم قال الطيبي: وفيه بحث.
أقول: لعل البحث فيه أن حمل هذا عَلَى التكرير للتأكيد ليس كما يَنْبَغي لأن التكرير للتأكيد يقتضي
كون الْمَعْنَى المفاد بالثاني عين ما يفيده الأول وهَاهُنَا ليس الأمر كَذَلكَ [لتخالف] اسمي أن في
الموضعين فإن الاسم في الأول ضمير الشأن وهو عبارة عن مجموع الْجُمْلَة الشرط التي وقعت
خبرًا عنه، وهو في الثاني نار جهنم، ولما كانا متغايرين لا يصح حمل الثاني عَلَى التكرار للتأكيد فإن
فَائدَة أن الأول تأكيد مضمون جملة ملتئمة من ضمير الشأن والْجُمْلَة الشرطية وفَائدَة الثاني تأكيد
جملة أخرى مركبة من مبتدأ وخبر. أعني له نار جهنم، ولا شك في أن مضمون ما دخل عليه الأول
وما دخل عليه الثاني من الجملتين متغايران. وهذا كلام لاتحاد المضمونين فيهما واخْتلَافهما فيه.