ثالثًا: عن أنس بن مالك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى حفصة ابنة عمر رجلاً فقال: (( احتفظِي به ) )، قال: فغفلتْ حفصة ومضى الرجل، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: (( يا حفصة، ما فعل الرجل؟ ) )قالت: غَفلتُ عنه يا رسول الله فخرَج، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( قطع الله يدَك ) )، فرفعت يدَيها هكذا، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ما شأنُك يا حفصة؟ ) )، فقالت: يا رسول الله؟ قلتَ قبلُ لي: كذا وكذا، فقال لها: (( صُفِّي يدَيك؛ فإني سألت الله - عز وجل - أيما إنسان مِن أمَّتي دعوت الله - عز وجل - عليه أن يجعلها له مغفرةً ) ) [28] .
رابعًا: عن عُروة بن الزبير: أن عائشة قالت: إن أمداد العرب كَثُروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى غمُّوه، وقام إليه المهاجرون يَفرِجون دونه حتى قام على عتبة عائشة، فرَهِقوه فأسلمَ رداءه في أيديهم ووثَب على العتبة فدخل، وقال: (( اللهم الْعنهُم ) )، فقالت عائشة: يا رسول الله، هلَك القوم، فقال: (( كلا والله يا بنتَ أبي بكر؛ لقد اشترطتُ على ربي - عز وجل - شرطًا لا خُلفَ له، فقلتُ: إنما أنا بشر أضيق بما يَضيق به البشر، فأي المؤمنين بدرتْ إليه مني بادِرة، فاجعلها له كفارةً ) ) [29] .
قال الإمام النووي - دافعًا للوهم أن يَصدُر منه، - صلى الله عليه وسلم -، سبٌّ أو لعن أو غير ذلك -"هذه الأحاديث مُبيِّنة ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الشفقة على أمته، والاعتناء بمصالِحهم، والاحتياط لهم، والرغبة في كل ما يَنفعُهم، وهذه الرواية المذكورة آخِرًا تُبيِّن المراد بباقي الروايات المُطلَقة، وأنه إنما يكون دعاؤه عليه رحمة وكفارة وزكاة ونحو ذلك إذا لم يكن أهلاً للدعاء عليه والسبِّ واللعن ونحوه وكان مُسلمًا، وإلا فقد دعا - صلى الله عليه وسلم - على الكفار والمنُافِقين ولم يكن ذلك لهم رحمة، فإن قيل: كيف يدعو على مَن ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبُّه أو يلعنه ونحو ذلك؟ فالجواب: ما أجاب به العلماء، ومُختَصره وجهان:"