وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ عَلِيًّا أَخَذَ عِمَالَتَهُ مِنْهَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنْ الصَّدَقَةِ عِمَالَةً، وَقَدْ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حِينَ خَرَجَ إلَى الْيَمَنِ فَوَلِيَ الْقَضَاءَ وَالْحَرْبَ بِهَا، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ رِزْقَهُ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ لَا مِنْ جِهَةِ الصَّدَقَةِ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْغَنِيُّ عِمَالَتَهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ فَكَذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ.
قِيلَ لَهُ: لِأَنَّ الْغَنِيَّ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ لَوْ افْتَقَرَ أَخَذَ مِنْهَا، وَالْهَاشِمِيَّ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا بِحَالٍ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْعَامِلَ لَا يَأْخُذُ عِمَالَتَهُ صَدَقَةً، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهَا، وَيَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {هِيَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ.} قِيلَ لَهُ: الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ تَحْصُلُ فِي مِلْكِ بَرِيرَةَ ثُمَّ تُهْدِيهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ بَيْنَ مِلْكِ الْمُتَصَدِّقِ وَبَيْنَ مِلْكِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسِطَةُ مِلْكٍ آخَرَ، وَلَيْسَ بَيْنَ مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَبَيْنَ مِلْكِ الْعَامِلِ وَاسِطَةٌ لِأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ فِي