وحتى تلك اللحظة لم يتعرض فرعون لموسى ، ولا يزال خوفه من موسى يمنعه من الاقتراب أو الدنو أو الاتصال به ولو بكلمة ، إنه يأخذ الحذر من أن يقدم على شيء ضد موسى ، فيفاجئه موسى مفاجأة ثانية . ويقال إن الثعبان الذي ظهر ساعة ألقى موسى عصاه فتح شدقيه واتجه إلى فرعون ، فقال: كف عني وأومن بما جئت به . وهو أمر محتمل ؛ لأن فرعون حتى هذه اللحظة لم يجرؤ على الاقتراب من موسى ، وجاء بخبر قتل الأبناء وسبيْ النساء ولم يأت بسيرة موسى . {... سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]
والقوي حين يملك القدرة على الضعيف لا يشد الخناق عليه شدًّا ليفتك به ؛ لأنه يعرف ضعفه ، ويستطيع أن يناله في أي وقت ، لكن لو كان الخصم أمامك قويًّا فأنت ترهبه بالقوة حتى يخضع لك . وهنا يقول فرعون: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} .
إن فرعون يؤكد لقومه أنهم مسيطرون وغالبون ، ولن يستطيع قوم موسى أن يفلتوا منهم . ويؤكد فرعون: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ؛ لأن الأبناء هم العدة ، والنساء عادة شأنهن مبني على الحجاب ، وعلى الستر ، وفي إبقاء المرأة وقتل الرجل إذلال للرجال ؛ لأن التعب سيكون من نصيب النساء . ولذلك كان العرب حين يغيرون على عدو ، يصحبون نساءهم لتزيد الحمية ولا يخور ولا يجبن واحد وتراه زوجه أو أخته أو ابنته وهو على هذا الحال ، وكذلك كان العرب يخافون الانهزام حتى لا يمسك العدو نساءهم ويأخذهن سبايا .