وقيل: اختير الفصل هنا لإرادة استقلال كل من الجمل في معناه حيث أن كفر هؤلاء أعظم من كفر قوم نوح من حيث إنهم علموا ما فعل الله تعالى بالكافرين وأصروا وقوم نوح لم يعلموا.
ويدل على علمهم بذلك ما سيأتي في ضمن الآيات وفيه نظر.
{يَابَنِى إسرائيل اعبدوا الله} وحده كما يدل عليه قوله تعالى: {مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ} فإنه استئناف جار مجرى البيان للعبادة المأمور بها والتعليل لها أو للأمر كأنه قيل: خصوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً إذ ليس لكم إله سواه.
وقرئ {غَيْرِ} بالحركات الثلاث كالذي قبل.
{أَفَلاَ تَتَّقُونَ} إنكار واستبعاد لعدم اتقائهم عذاب الله تعالى بعد ما علموا ما حل بقوم نوح عليه السلام، وقيل: الاستفهام للتقرير والفاء للعطف، وقد تقدم الكلام فيه آنفاً وفي سورة هود (15) {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (ولعله عليه السلام كما قال شيخ الإسلام خاطبهم بكل منهما و(قد) اكتفى بحكاية كل منهما في موطن عن حكايته في موطن آخر كما لم يذكر ههنا ما ذكر هناك من قوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} [هود: 50] وقس على ذلك حال بقية ما ذكر وما لم يذكر من أجزاء القصة بل حال نظائره في سائر القصص لا سيما في المحاورات الجارية في الأوقات المتعددة).
وقال غير واحد: إنما قيل ههنا: {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} وفيما تقدم من مخاطبة نوح عليه السلام قومه {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59] لأن هؤلاء قد علموا بما حل بغيرهم من نظرائهم ولم يكن قبل واقعة قوم نوح عليه السلام واقعة، وقيل: لأن هؤلاء كانوا أقرب إلى الحق وإجابة الدعوة من قوم نوح عليه السلام وهذا دون {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ} الخ في التخويف، ويرشد إلى ذلك ما تقدم. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 8 صـ}