كلامهم وفي المعهود من عباراتهم، والسواء الكمال.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ(10) . أي: كاملة تامة.
وقال: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ(71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ). يعني: أكملته
وأتممته.
وقال: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا...) .
ثم بعد هذا يكون المفهوم من استوائه سبحة من سبحاته - جل ذكره - كما
قال في وصف نفسه - جلَّ جلالُه -: وتكبر وتعالى وتبارك ونحو هذا؛ إذ ليس من فعله
شيء إلا وهو دال على كماله وعظمته وجلاله ونعوت تعاليه.
(فصل)
قال الله - عز وجل -: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) .
وقال: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) .
وقال: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) .
فاستواء الأنسان كمال عقله وعمله وتوفر صفاته، والمستوي منه هو المقول له
العبد، وموضع استوائه من حيث هو عقل الدماغ، ثم ينزل منه الأمر إلى القلب،
ثم عن القلب تنبعث الدواعي والأغراض والإرادات بالأفعال إلى الجوارح الظاهرة
من طاعة أو عصيان، وكأن القلب أولى بأن تفاف الأفعال إليه؛ إذ هو المصدر
لها كالإنسان تضاف إليه أفعاله، وإن كان في الحقيقة مسوقًا أيضًا ومحمولاً
عليها؛ إذ كان بإرادته ومشيئته ليتم أمر الله فيه الذي له أوجده.
(عبرة) :
فالله الحي القيوم - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه لما استوى على العرش لتتم
كلماته صدقًا وعدلاً، وليدبر بأمره السابق في الأزل قبل إيجاد الخليقة حييت به
الجملة كما حيي جسم الإنسان باستواء المستوي فيه وعليه، فكان لذلك كل ما
كان في جسمه معلق ما له محسوس ظاهرًا وباطنًا لا يخطر له خاطر في باطنه،
ولا يحدث في جسمه حادث مع التيقظ ووجود الصحة إلا أحسه.
والروح أو العقل المشار إليه بهذه العبارة وليس من جنس الجسم ولا
وصفه وصفه، بل هو شيء لا تعرفه جملة الإنسان، ولا يقف على كنهه، ولا
يحيط من علمه إلا بما شاء الله - جل ذكره - المالك لكل شيء ، فالله الحي القيوم