لا يجوز أن يضاف النسيان إلى اللَّه - تعالى - بحال، ولكن يجوز أن يقال: يجزيهم جزاء نسيانهم، فسمي الثاني باسم الأول، وإن لم يكن الثاني نسيانًا؛ نحو قوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) ، والثانية ليست بسيئة، ولكن جزاء السيئة، لكنه سماها باسم السيئة؛ لما هي جزاء لها؛ فعلى ذلك هذا، وكقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) والثاني ليس باعتداء، ولكنه جزاء الاعتداء، فسماه باسم الاعتداء؛ لما هو جزاؤه؛ فعلى ذلك سمى الثاني نسيانا؛ لأنه جزاء النسيان، وإن كان اللَّه لا يجوز أن ينسى، أو يسهو عن شيء ، أو يغفل، ولأن في النسيان تركا، وكل منسي متروك، فيتركهم في العذاب والهوان كما تركوا هم أمر اللَّه ونهيه في الدنيا.
وقال الحسن: إن اللَّه لا ينسى شيئًا ولا يسهو، ولكن الكفرة يكونون على الكرامة والرحمة والمنزلة كالشيء المنسي، وعن العذاب والهوان لا، أو كلام نحو هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) قَالَ بَعْضُهُمْ:"ما"هاهنا صلة؛ كأنه قال؛ وكانوا بآياتنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على ما ذكر، أي: اليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(52) يحتمل بكتاب.
أي: بيناه؛ والتفصيل: التبيين.
ويحتمل قوله: (فَصَّلْنَاهُ) أي: فرقناه في إنزاله، لم ننزله جملة واحدة؛ كقوله: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ) أي: فرقناه في الإنزال على قدر النوازل بهم؛ ليعلموا حكم كل آية نزلت بالنوازل التي وقعت بهم، لا تقع لهم الحاجة إلى معرفة ما في كل آية نزلت عليهم على حدة، بل يعرفون ذلك بالنوازل.
أو أنزله مفرقًا.