وَأَمَّا الْقُرَّاءُ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، فَإِنَّهَا قَرَأَتْ قَوْلَهُ: {فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} بِفَتْحِ السِّينِ، وَأَجْمَعَتْ عَلَى قِرَاءَةِ (الْجَمَلِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَتَخْفِيفِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرءُونَ ذَلِكَ: (الْجُمَّلُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ عَنْ سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
فَأَمَّا الَّذِينَ قَرءُوهُ بِالْفَتْحِ مِنَ الْحَرْفَيْنِ وَالتَّخْفِيفِ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ إِلَى الْجَمَلِ الْمَعْرُوفِ وَكَذَلِكَ فَسَّرُوهُ.
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} ، قَالَ: «زَوْجُ النَّاقَةِ، يَعْنِي الْجَمَلَ»
عَنِ الضَّحَّاكِ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: {الْجَمَلُ} : «وَهُوَ الَّذِي لَهُ أَرْبَعُ قَوَائِمَ»
وَأَمَّا الَّذِينَ خَالَفُوا هَذِهِ الْقِرَاءَةَ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا الْمُوَافَقَةُ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَهَذَا التَّأْوِيلِ {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} "وَالْجَمَلُ: ذُو الْقَوَائِمِ."
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى {حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} قَالَ: «هُوَ قَلْسُ السَّفِينَةِ»
وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْجِيمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَلَى مِثَالِ الصُّرَدِ وَالْجُعَلِ وَجَّهَهُ إِلَى جِمَاعِ جُمْلَةٍ مِنَ الْحِبَالِ جُمِعَتْ جُمَلًا، كَمَا تُجْمَعُ الظُّلْمَةُ ظُلَمًا وَالْخُرْبَةُ خُرَبًا.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُنْكِرُ التَّشْدِيدَ فِي الْمِيمِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَرَادَ الرَّاوِي (الْجُمَلَ) بِالتَّخْفِيفِ، فَلَمْ يُفْهَمْ ذَلِكَ مِنْهُ، فَشَدَّدَهُ.
وَعَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ أَعْجَمِيًّا.
وَأَمَّا مَنْ شَدَّدَ الْمِيمَ وَضَمَّ الْجِيمَ، فَإِنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ اسْمٌ وَاحِدٌ: وَهُوَ الْحَبْلُ أَوِ الْخَيْطُ الْغَلِيظُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: