و {حَتَّى} في قوله: {حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا} غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له، وهي حتى التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هنا الجملة الشرطية، وهي {إِذا جاءَتْهُمْ} : أي: يوفى لهم نصيبهم من الأرزاق والأعمار المكتوبة لهم في اللوح المحفوظ مدة حياتهم، حتى إذا جاءتهم رسلنا ملك الموت وأعوانه حالة كون رسلنا {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} ؛ أي: يقبضون أرواحهم؛ أي: يوفى لهم نصيبهم الذي كتب لهم مدة حياتهم حتى إذا ما انتهى بانتهاء آجالهم، وجاءتهم رسلنا يقبضون أرواحهم {قالُوا} ؛ أي: قالت رسلنا لأولئك المفترين المكذبين بآيات الله تعالى على سبيل التوبيخ والتقريع: {أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؛ أي: أين الشركاء والآلهة التي كنتم تعبدونهم في الدنيا من دون الله سبحانه وتعالى لقضاء الحاجات، ودفع المضرات، فادعوهم لينجوكم وينقذوكم مما أنتم فيه من الشدائد والعذاب {قالُوا} ؛ أي: قال المفترون للملائكة {ضَلُّوا عَنَّا} ؛ أي: غابت الآلهة عنا وذهبوا، لا ندري أين مكانهم؛ أي: غابوا عنا، فلا نرجوا منهم الآن جلب النفع، ولا دفع الضر {وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ} ؛ أي: واعترفوا على أنفسهم بـ {أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ} بدعائهم إياهم وعبادتهم لهم؛ إذ هم قد زعموا أنهم عنده تعالى كأعوان الأمراء والسلاطين، وحاش الله أن يتخذ الأعوان والمساعدين، فالله غني بعلمه المحيط وقدرته الكاملة عن أن يحتاج إلى الأعوان والمساعدين، فإنما يحتاج إليها من يجهل أمور الناس، ويعجز عن معرفة أحوالهم، ولا تعارض بين هذا وبين قوله: {وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ} لاحتمال ذلك من طوائف، أو في أوقات مختلفة.
[الخلاصة]
وخلاصة هذا: زجر الكافرين عما هم عليه من الكفر، وحملهم على النظر والتأمل في عواقب أمورهم، والتحذير من التقليد الذي سيرديهم في الهاوية. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 9/ 288 - 302} ...