والخلاصة: أنه لا ينبغي لأحد أن يحرم شيئا تحريما دينيا على عباد الله، أو يوجب عليهم شيئا إلا بنص صريح عن الله ورسوله، ومن تهجم على ذلك .. فقد جعل نفسه شريكا لله، ومن تبعه في ذلك .. فقد جعله ربا له، ومن ثم كان فقهاء الصحابة والتابعين يتحامون القول في الدين بالرأي، وقد أنكر الله سبحانه وتعالى على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده بلا برهان، فقال:
{وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} .
وهذه الجنايات الخمسة المذكورة في هذه الآية أصول الجنايات، وأما غيرها فهي كالفروع.
34 - {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} : من الأمم التي كذبت الرسل {أَجَلٌ} ؛ أي: وقت معين لهلاكها {فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ} ؛ أي: وقت هلاكهم؛ أي: أجل واحد اندرج تحت الأمة {لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً} ؛ أي: لا يتركون بعد الأجل طرفة عين {وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} ؛ أي: ولا يهلكون قبل الأجل طرفة عين، فقوله: {ساعَةً} ؛ أي: شيئا قليلا من الزمان؛ فهي مثل يضرب لغاية القلة من الزمان. ذكره أبو السعود. فالجزاء مجموع الأمرين، لا كل واحد على حدته، والمعنى: أن الوقت المحدود لا يتغير، وهذا وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم السابقة؛ إذ خالفوا أمر ربهم؛ يعني: فلا يؤخرون ولا يمهلون قدر ساعة ولا أقل من ساعة، وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف يقول المستعجل لصاحبه: في ساعة، يريد في أقصر وقت وأقربه، وإنما أفرد الأجل؛ لأنه اسم جنس، أو لتقارب أعمال أهل كل عصر، أو لكون التقدير: لكل واحد من أمة. وقرأ الحسن وابن سيرين: {فإذا جاء آجالهم} بالجمع.
والمعنى: قل يا محمد لقومك ولغيرهم لكل أمة أمد مضروب لحياتها مقدر لها بحسب السنن التي وضعها الخالق لوجودها، وهذا الأجل على ضربين: أجل لوجودها في الحياة الدنيا، وأجل لعزها وسعادتها بين الأمم: