ومعنى إخراج الله للزينة: خلق موادها، وتعليم طرق صنعها بما أودع في فطرهم من حبها، والميل إلى الافتتان في استعمالها؛ إذ خلقهم مستعدين لإظهار آياته في جميع ما خلق في هذا العالم الذي يعيشون فيه بما أودع في غرائزها من الميل إلى البحث في كشف المجهول، والاطلاع على خفايا الأمور، فهم لا يدعون شيئا عرفوه بحواسهم أو عقولهم حتى يبحثوه من طرق شتى، وأوجه لا نهاية لها، ولم تنتهي بحوثهم ما دام الإنسان على ظهر البسيطة.
وغريزة حب الزينة، وحب التمتع بالطيبات كانت من أهم الأسباب في اتساع أعمال الفلاحة والزراعة، ورقي ضروب الصناعة، واتساع وسائل العمران، ومعرفة سنن الله وآياته في الأكوان، وهما لا يذمان إلا بالإسراف فيهما، والغفلة عن شكر المنعم بهما.
والخلاصة:
أن الدين لم يحرمهما إلا إذا كانا عائقين عن الكمال الروحي، والكمال الخلقي، وأنه لم يجعل تركهما قربة إلى الله كما جرى على ذلك الوثنيون من البراهمة وغيرهم، وقلدهم في ذلك بعض المسلمين، وصاروا يبثون في الأمم الإسلامية تعاليم تقضي بأن روح الدين ومخ العبادة في التقشف، وحرمان النفس من التمتع بلذات الحياة. وقد بين الله سبحانه وتعالى وجه الصواب في ذلك بقوله لرسوله: {قُلْ} يا محمد لأمتك {هِيَ} ؛ أي: الزينة والطيبات ثابتة {لِلَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله بطريق الأصالة، فالضمير عائد على الزينة والطيبات من الرزق، لكن على وجه أعم بأن يراد بها الأعم من الدنيوية والأخروية؛ لأجل أن يصح الإخبار عنها بقوله: {لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} ، وبقوله: {خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ} {فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} غير خالصة لهم؛ لأنه يشركهم فيها المشركون، وإن لم يستحقوها مثلهم حالة كونها {خالِصَةً} لهم ومختصة بهم {يَوْمَ الْقِيامَةِ} لا يشاركهم فيها غيرهم؛ لأنه لا حظ للمشركين يوم القيامة في الطيبات من الرزق. وقيل: معناه خالصة لهم يوم القيامة من التكدير والتنغيض والغم؛ لأنه قد يقع لهم في الحياة الدنيا في تناول الطيبات من الرزق كدر وتنغيص، فأعلمهم أنها خالصة لهم في الآخرة من ذلك كله.