ولقد ذكر السياق آدم ونوحا فردين ؛ وذكر آل إبراهيم وآل عمران أسرتين. إشارة إلى أن آدم بشخصه ونوحاً بشخصه هما اللذان وقع عليهما الاصطفاء. فأما إبراهيم وعمران فقد كان الاصطفاء لهما ولذريتهما كذلك - على القاعدة التي تقررت فِي سورة البقرة عن آل إبراهيم: قاعدة أن وراثة النبوة والبركة فِي بيته ليست وراثة الدم ، إنما هي وراثة العقيدة: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماماً. قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين} وبعض الروايات تذكر أن عمران من آل إبراهيم. فذكر آل عمران إذن تخصيص لهذا الفرع لمناسبة خاصة ، هي عرض قصة مريم وقصة عيسى عليه السلام.. كذلك نلاحظ أن السياق لم يذكر من آل إبراهيم لا موسى ولا يعقوب (وهو إسرائيل) كما ذكر آل عمران.. ذلك أن السياق هنا يستطرد إلى الجدل حول عيسى بن مريم وحول إبراهيم - كما سيأتي فِي الدرس التالي - فلم تكن هناك مناسبة لذكر موسى فِي هذا المقام أو ذكر يعقوب..
ومن هذا الإعلان التمهيدي ينتقل السياق مباشرة إلى آل عمران ومولد مريم:
{إذ قالت امرأة عمران: رب إني نذرت لك ما فِي بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت: رب: إني وضعتها أنثى - والله أعلم بما وضعت - وليس الذكر كالأنثى ، وإني سميتها مريم ؛ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم. فتقبلها ربها بقبول حسن ، وأنبتها نباتاً حسناً ، وكفلها زكريا. كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً. قال: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} ..