السالك فجعل هنا حضورًا عَلَى أمور خمسة (عَلَى أحسن ترتيب) كما أوضحه المص
وأفرد السالك لأن اسْتغْرَاق المفرد أشمل، وأما الجمع في النظم فللتنبيه عَلَى كثرته فالْمُرَاد
بالسالك السالك إلَى تَحْصيل مرضاة الله تَعَالَى الذي نزع نفسه عن الشهوات [الرديئة] ونشط
إلى عالم القدس كما أشار إليه المصنف في أوائل سورة والنازعات. والحصر مع انتفاء أداته
المُتَعَارَفة للاكتفاء في مقام التوصيف.
قوله: (فإن معاملته مَعَ اللَّه) أي فإن تقربه إلَى الله تَعَالَى (إما توسل) أي توسل إلَى
رضاء الله تَعَالَى (وإما طلب) أي من الله تَعَالَى (والتوسل) إلَى الطلب وفيه تنبيه عَلَى أنه
يَنْبَغي للسالك أن يقدم التخلية والتحلية عَلَى الطلب حتى يستعد لحصول المطلوب
والوصول إلَى المحبوب وكونه توسلًا بهذا الْمَعْنَى لا ينافي كونه مقصودًا لذاته، والْمُرَاد
بالنفس الروح.
قوله: (وهو) أي التوسل (بالنفس منعها عن الرذائل) يندرج فيه الأخلاق [الرديئة]
والْأَعْمَال الخبيثة الدنية (وحبسها عَلَى الفضائل والصبر يَشْمَلُهُمَا) فيدخل الأخلاق الحميدة
والأفعال المرضية ويشمل جميع الطاعات والمنكرات، والصبر يَشْمَلهما لأن أنواع الصبر
ثلاثة: الصبر عَلَى الطاعات والصبر عَلَى المعاصي والصبر عَلَى البليات، فهو داخل في المنع
عن الرذائل لأن الجزع عَلَى المصائب من الرذائل.
قوله: (وإما بالبدن) كلامه يشعر بأن النفس مستقل في الأول والبدن مستقل في الثاني
وقد حقق في مَوْضع أن الْإنْسَان مركب من الروح والجسد والمكلف مجموعهما لا الروح
وحده ولا البدن وحده، أَلَا [تَرَى] أن الْقَوْل لا يمكن بدون روح وكذا الْفعْل، إلا أن يقال إن
الروح أصل في الأول والبدن تابع، وفي الثاني بالعكس (وهو إما قولي) .
قوله: (وهو الصدق) الصدق كما يكون بالْقَوْل يكون بصدق النية(وإما فعلي وهو القنوت
الذي هُوَ ملازمة الطاعة)سواء كانت بالبدن فقط كالصلاة والصوم، أو بالمال معًا كالحج وهذا هُوَ
الظَّاهر الْمُتَبَادَر من الحصر، وإن كان الْمُتَبَادَر من قوله بالبدن القسم الأول فقط.
قوله: (وإما بالمال وهو الإنفاق في [سبل] الخير) أي في شأن طريق موصل إلَى الخير
فيتناول الجهاد فيندرج في الآية الكريمة أنواع العبادات عن آخرها واجتناب المناهي بأسرها
فـ [حِينَئِذٍ] يتضح كونه صفة لِلْمُتَّقِينَ مادحة أو مخصصة لكن بعض الأمور يستلزم بعضًا آخر فإن
منع النفس عن الرذائل شامل لجميع المناهي وحبسها عَلَى الفضائل عام للطاعات قولًا أو
فعلًا أو أخلاقًا، والقنوت شامل للصدق فالتقابل إما بالقيد كتَقْييد القنوت بالفعلي أي فعل
الجوارح أو بقيد العينية فتأمل (وإما الطلب [فبالاستغفار] ) .
قوله: (لأن الْمَغْفرَة) تعليل لكونه مطلوبًا من بين المطالب وسائر المقامات وسيلة له
لكن ما هُوَ من المقامات الاستغفار وما هُوَ (أعظم المطالب) الْمَغْفرَة التي صفة له تَعَالَى