إذن.. فالحق سبحانه لم يحكمنا فِي قضية الخلق الأولى بشيء واحد ، بأن يجبرنا على كل شيء ، بل جبرنا بأنه - سبحانه - لم يدخل أسبابنا ولا حركتنا فِي كثير من الحركات التي تترتب عليها الحياة ، فلم يجعل الشمس بأيدينا ، ولا القمر ، ولا الريح ، ولا المطر. كل هذه الأسباب جعلها بيده هو ، لماذا ؟ لأن هذه الأسباب ستفعل للمخلوق قبل أن تكون له قدرة. هذه الأسباب تفعل للإنسان قبل أن توجد له حياة ؛ لتمهد للحياة التي يهبك الله إياها ، فلو ترك الله كل هذه الأشياء لأسباب الإنسان لتأخرت هذه الأشياء إلى أن يوجد للإنسان إرادة ، وتوجد له قدرة وعلم.
لقد جعل الله أسباب الحياة بيده ، كالتنفس مثلا ، إن التنفس لا يخضع لإرادة القدرة على الحركة فِي الحياة ، ولكنه قال لك: أيها الإنسان - وهو سبحانه الإله القادر - تحرك التنفس إلى أن توجد له إرادة. ولا توجد الإرادة إلا إن وجُد عند الإنسان علم بأنه يريد إدخال الأوكسجين إلى الرئتين حتى يتغذى الدم والمخ وينقى الدم والجسم من الأشياء التي تضره ، هذا يقتضي العلم ، فإن كان هذا الأمر يقتضي العلم. فماذا يصنع الطفل الذي ليس له علم ؟ كيف يتنفس ؟
لذلك فمن رحمة الله وعدالته أن جعل أمر التنفس - على سبيل المثال - بيده هو سبحانه ، ولكن الحق سبحانه لم يقض على مخلوقه بأن يجعله فِي الكون بلا حرية أو اختيار ، لا ، لقد ترك الحق سبحانه بعضا من الأشياء لحرية الإنسان واختياره.