ومجيء ذلك كله في سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله يشعر بأنه ما لم يقم أمر المال على شرع الله فإن الناس لا يكونون قد دخلوا في الإسلام كله. وفي مثل هذا وغيره، تظهر دقائق من أسرار الإعجاز لمن عقل. ولنبدأ عرض الفقرة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
المعنى العام:
يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، سبيل الخير، ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم، ومليكهم. وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا من قبل أن يأتي يوم القيامة، يوم لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبا. ولا تنفعه صداقة أحد، أو نسابته، أو شفاعته؛ إن كان كافرا. ثم يقرر الله أنه لا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ: هذا أمر عام بالإنفاق في الجهاد،
والإنفاق الواجب كالزكاة، وصدقة الفطر، والنفقة على من تجب إعالتهم، وعلى من عرفت حاجتهم، وغير ذلك من النفقات الواجبة ودخل في ذلك الإنفاق النافلة. لأن الأمر كان بالإنفاق مما رزقنا الله، وليس كل ما رزقنا الله إياه أوجب فيه نفقة مفروضة.
ومن هنا نفهم حكمة تأخير هذه الفقرة. إذ جاءت بعد أن عرضت علينا السورة صورا من الإنفاق الواجب والمندوب. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ الخلة: الصداقة. والشفاعة للمؤمنين ثابتة بنصوص كثيرة. فالشفاعة المنفية في هذا اليوم إنما هي الشفاعة للكافرين، أو أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة التي لم يأذن بها.