وفي هذا الاستفهام من الإنكار على مَنْ يزعم: أنَّ أحدًا من عباده يَقْدِر على أن ينفع أحدًا منهم بشفاعة أو غيرها، ومن التقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، وفيه من الدَّفْع في صدور عُبَّادِ القبور، والصَّد في وجوهم، والفَتِّ في أَعْضَادِهِم ما لا يرتاد قدرهُ، ولا يبلغْ مَدَاه. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الضميران لـ {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، بتغليب العقلاء على غيرهم؛ أي: يعلم {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ؛ أي: ما هو حاضرٌ مشاهَدٌ لهم، وهو: الدنيا وما فيها. {وَمَا خَلْفَهُمْ} ؛ أي: قُدَّامهم، وهو: الآخرة وما فيها. وقيل: بعكسه؛ لأنهم يُقْدِمون على الآخرة، ويُخَلِّفون الدنيا وراء ظهورهم. وقيل: يعلم ما كان قبلهم، وما كان بعدهم. وقيل: يعلم ما قَدَّموه بين أَيديهم من خيرٍ أو شرٍّ، وما خَلْفَهم مما هم فاعلوه. والمقصود من هذا: أنه سبحانه وتعالى عالمٌ بجميع المعلومات، لا يخفى عليه شيء ٌ من أحوال جميع خلقه، وكَنَّى بهاتين الجهتين عن سائر جهات من أحاط علمه به. {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} ؛ أي: لا يعلمون شيئًا قليلًا من معلوماته. {إِلَّا بِمَا شَاءَ} الله سبحانه وتعالى أن يُعْلِمَهم بها؛ أي: إنَّ أحدًا لا يحيط بمعلومات الله تعالى إلا ما شاء هو أن يُعْلِمَهم، أو المعنى: إنهم لا يعلمون الغيب إلا عند اطلاع الله بعض أنبيائه على بعض المغيبات؛ ليكون ما يُطلِعهم عليه من علمٍ غَيَّبَهُ دليلًا على نبوتهم؛ كما قال تعالى: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} .