وفي الآيات نقاط بارزة نعتقد أنها من الجوهري في التذكير والعظة والتدعيم والتلقين الذي انطوى فيها، مثل إبداء الإسرائيليين الرغبة في القتال بسبب ما حل فيهم من عدوان الغير عليهم ومثل ما كان من شك نبيهم في صدق رغبتهم. ومثل ما وقع من تمردهم على اختيار الله وعلى أوامر الملك ومطالبتهم بالآيات للتدليل على صدق الاختيار. ومثل تهيبهم العدو وارتدادهم عن لقائه وما ظهر منهم من الانحراف والمخالفة في الامتحان الذي امتحنهم الله به حيث منعهم من الشرب من ماء النهر عبّا، ومثل ثياب المخلصين المؤمنين وصبرهم وانتصارهم أخيرا.
وهذه النقاط تقوي التوجيه الذي وجهناه في سياق الآيات السابقة من تهيب بعض المسلمين وترددهم في الاستجابة إلى دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم في موقف جهادي، وما قلناه من أن هذا الفصل قد سيق بسبيل التذكير والتمثيل والعظة والتنويه والتنديد معا.
ومما يزيد في قوة العظة والتدعيم ما بين محتويات الفصل وبين ظروف المسلمين وبخاصة المهاجرين الذين كان الانتداب إلى القتال قبل وقعة بدر قاصرا عليهم على ما ذكرناه في مناسبة سابقة حين نزوله من تماثل أو تقارب. فاليهود نالهم الأذى والعدوان بعد موسى فدفعهم هذا إلى طلب القتال ثم نكص أكثرهم، والمهاجرون نالهم مثل ذلك فحري بهم أن يعتبروا ويتعظوا ولا يكونوا مثل أكثر اليهود.
والآيتان الأخيرتان التعقيبيتان متصلتان بهذا المعنى اتصالا وثيقا، فالجهاد الذي دعى إليه النبي صلّى الله عليه وسلّم وفرضه القرآن ضرورة لا بد منها لأن البغي والعدوان إذا لم يدفعا استشرى الشر والفساد. وهذا مما لا يرضاه الله تعالى لعباده المؤمنين
ولذلك سوغ الجهاد في سبيل دفع البغي والظلم. وفي هذا ما فيه من حكمة اجتماعية بليغة وتلقين جليل مستمر المدى.
وفي المحاورة بين بني إسرائيل ونبيهم التي شاءت حكمة التنزيل أن تحكيها عظة بالغة حيث تضمنت تقرير كون بسطة العلم والجسم تؤهل صاحبها للملك والقيادة أكثر من بسطة المال.
وظاهر مما تقدم أن القصة لم تكن مرادة لذاتها ولذلك اقتصرت حكمة التنزيل على الخلاصة التي احتوتها الآيات والتي استهدف بها العبرة والعظة والتمثيل.