وقال بعض الأعراب لعمر بن الخطاب رحمه الله - وكان أتاه فشكى إليه نقب إبله ودبرها واستحمله فلم يحمله -:
أقسم بالله أبو جفص عمر ... ما مسّها من نقب ولا دبر
فاغفر له اللهمّ إن كان فجر أي: كذب.
وهذا وجه حسن لأن الفجور اعتراض بين كلامين من أسباب يوم القيامة، أولهما: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) ؟ والآخر: (يَسْألُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) ؟
فكأنه قال: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه في الآخرة؟ بلى نقدر على أن نجمع ما صغر منها ونؤلف بينه.
(بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ) أي: ليكذّب بيوم القيامة وهو أمامه، فهو (يَسْألُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) [سورة القيامة: 6] أي متى يكون؟
(بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)
أي: بل على الإنسان من نفسه بصيرة. يريد شهادة جوارحه عليه، لأنها منه، فأقامه مقامها.
قال الشاعر:
ترى الثّور فيها مدخل الظلّ رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع
أراد (مدخل رأسه الظلّ) فقلب، لأن الظلّ التبس برأسه فصار كل واحد منهما داخلا في صاحبه.
والعرب تقول: (اعرض النّاقة على الحوض) تريد: اعرض الحوض على الناقة، لأنك إذا أوردتها الحوض: اعترضت بكل واحد صاحبه.
(فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى(31)
(لا) تكون بمعنى لم، قال الله تعالى: (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) أي لم يصدّق ولم يصلّ، وقال الشاعر:
وأيّ خميس لا أفأنا نهابه ... وأسيافنا يقطرن من كبشه دما؟!
أي لم نفئ نهابه. وقال آخر:
إن تغفر اللهم تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألمّا
أي لم يلمّ بالذّنوب. انتهى انتهى {تأويل مشكل القرآن، للدينوري} ...