فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون عذابهم موعودًا ولم يكن مشاهدًا قريبًا.
وجائز أن يكون اللَّه علم صدقهم في إيمانهم لو مكثوا فكشف عنهم العذاب لما كانوا متحققين، وغيرهم كان يفزع إلى الإيمان؛ ليكشف عنه العذاب، ثم يعود إلى كفره؛ فلم يقبل منه.
وجائز أن يكون من حكم اللَّه تعالى ألا يقبل من أحد التوبة إذا حل به العذاب، ولكنه يقبلها من المؤمنين؛ إفضالا وإنعامًا، ولا يتفضل على الكافرين الذين آثروا الدنيا على الآخرة.
قوله تعالى: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ(51)
منهم من يقول: هذا على التحقيق، وصرف ذلك إلى قوم بأعيانهم قد عرفوا بخبث الأعين وحلول الآفات بمن يعينونه من أهل الشرف والتبجيل، ثم اللَّه - تعالى - بفضله عصم رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فلم يتهيأ لهم أن يعينوه، فكان فيه تقرير رسالته وآية نبوته عند أُولَئِكَ الكفرة.
فإن قال قائل: إنهم كانوا يعدون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من المجانين، ويقولون: إنه لمجنون، والمجنون لا يعان، وإنما يعان أهل الشرف والحجا وذوو الأحلام والنُّهى، فما أنكرت أنه سلم من الآفة حتى يقصد إليه بالعينة.
فجوابه أنهم وإن كانوا يعدونه من جملة المجانين، فإنهم سمعوا منه ذكرًا عجبًا وهو القرآن، ومن أعطي مثل ذلك الذكر والشرف، فهو مما يقصد إليه بالحسد، فكانوا يعينونه لذلك المعنى، ثم لم يضره كيدهم، ولا نفذت فيه حيلهم؛ فأوجب ذلك تنبيههم أنه رسول من اللَّه تعالى.
ومنهم من حمله على التمثيل ليس على التحقيق، فيقول: وإن يكاد الذين كفروا لشدة بغضهم وعداوتهم إياك، ليزلقونك بأبصارهم، كما يقال: نظر إلى فلان نظرًا كاد أن يقتلني، فيقوله على التمثيل.
ثم قوله: (لَيُزْلِقُونَكَ) أي: يسقطونك ويصرعونك. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي} ...