وجائز أن يكون حكمه هذا في الكفرة، ليس في المؤمنين؛ لأنه قال في آية أخري: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) ، ففيه إشارة إلى أن من سبق منه الإيمان قبل أن يأتيه آيات ربه أو سبق منه كسب الخير من بعد الإيمان؛ فإن إيمانه في ذلك الوقت ينفعه، وقال في أهل الكفر: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ(84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ)، فهذا حكمه في أهل الشرك، وقال: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) ، وقال في المؤمنين: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) .
فثبت أن ما ذكرنا من الحكم هو حكمه في أهل الكفر، ليس في أهل الإيمان، والعقل يدل على هذا، وذلك أن المؤمن قد علم أن الذي سبق منه زلة وارتكاب معصية؛ فهو ليس يحتاج إلى إثبات آيات فتنبهه على أن الذي فعله زلة، فجائز أن تقبل منه التوبة في ذلك الوقت كما تقبل منه قبل تلك الحالة، وأما الكافر فعنده أن ما سبق منه لم يكن زلة ومعصية؛ فيحتاج إلى آيات تنبهه على غفلته، وتذكره بأن الذي فعله معصية، فإذا نزل به البأساء والشدة، فذلك يمنعه عن النظر والتدبر؛ فلا يكون إيمانه عن تحقيق ويقين فلا ينفعه.
والثاني: أنه يفزع إلى التوبة والإيمان؛ ليدفع عن نفسه البأساء؛ لا ليدوم عليه لو كشف عنه العذاب؛ كما قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا) ، فهذا لا ينفعه إيمانه.
«فَإِنْ قِيلَ» : إن قوم يونس - عليه السلام - قد نفعهم إيمانهم وهم آمنوا بعدما أيقنوا بالعذاب؟