ولما حذرهم ما يمكن إحلاله بهم من الخسف وإرسال الحاصب ، نبههم على الاعتبار بالطير وما أحكم من خلقها ، وعن عجز آلهتهم عن شيء من ذلك ، وناسب ذلك الاعتبار بالطير ، إذ قد تقدمه ذكر الحاصب ، وقد أهلك الله أصحاب الفيل بالطير والحاصب الذي رمتهم به ، ففيه إذكار قريش بهذه القصة ، وأنه تعالى لو شاء لأهلكهم بحاصب ترمي به الطير ، كما فعل بأصحاب الفيل.
{صافات} : باسطة أجنحتها صافتها حتى كأنها ساكنة ، {ويقبضن} : ويضممن الأجنحة إلى جوانبهن ، وهاتان حالتان للطائر يستريح من إحداهما إلى الأخرى.
وعطف الفعل على الاسم لما كان في معناه ، ومثله قوله تعالى: {فالمغيرات صبحاً فأثرن} عطف الفعل على الاسم لما كان المعنى: فاللاتي أغرن صبحاً فأثرن ، ومثل هذا العطف فصيح ، وعكسه أيضاً جائز إلا عند السهيلي فإنه قبيح ، نحو قوله:
بات يغشيها بغضب باتر ...
يقصد في أسوقها وجائر
أي: قاصد في أسوقها وجائر.
وقال الزمخشري: {صافات} : باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ، لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفاً ، {ويقبضن} : ويضمنها إذا ضربن بها جنوبهن.
فإن قلت: لم قيل {ويقبضن} ، ولم يقل: وقابضات؟ قلت: أصل الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها.
وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ، كما يكون من السابح. انتهى.
وملخصه أن الغالب هو البسط ، فكأنه هو الثابت ، فعبر عنه بالاسم.
والقبض متجدد ، فعبر عنه بالفعل ب {ما يمسكهن إلا الرحمن} : أي بقدرته.
قال الزمخشري: وبما دبر لهن من القوادم والخوافي ، وبنى الأجسام على شكل وخصائص قد يأتي منها الجري في الجو {إنه بكل شيء بصير} : يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب.
انتهى ، وفيه نزوع إلى قول أهل الطبيعة.