{خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29] ، فكأنه مخصوص بالرجل ، أو كأن الآيات الآمرة بالسير للنظر والعبرة والإحاطة والخبرة ، نازلة من السماء ليس للأمة جميعاً ، بل للنصف منها ، وهو الرجال . وحاشا أن يكون ذلك ! أين هديه صلى الله عليه وسلم في سفره مع أزواجه ؟ فقد ( كان يقرع بينهن ) ، فأيتهن خرجت قرعتها خرج بها ، وسافرت معه . وقد صار ذلك شريعة معمولاً بها في الدين . وهكذا صح أنه صلى الله عليه وسلم ( لما قدم بصفية أردفها خلفه وهو مع الركب ) .
وبالجملة فالسياحة في القرآن الكريم ليست ترمي إلى غاية واحدة ، بل إلى عدة غايات وفوائد:
أولاً: إدراك المعقولات ، والإحاطة بعظات المسموعات ، كما نتعلمه من آية {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .
ثانياً: الوقوف على أحوال الأمم البائدة ، وما لهم من جليل الآثار الداعية للاعتبار ، كما نتعلمه من قول الكتاب الحكيم:
{أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ} [غافر: 21] ، وقوله:
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9] .