وافتتاح الخبر بحرف التحقيق لتنزيل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة من لا يعلم أن الله فرض تَحِلَّة الأيمان بآية الكفارة بناء على أنه لم يأخذ بالرخصة تعظيماً للقَسَم.
فأعلمه الله أن الأخذ بالكفارة لا تقصير عليه فيه فإن في الكفارة ما يكفي للوفاء بتعظيم اليمين بالله إلى شيء هذا قوله تعالى في قصة أيوب {وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] كما ذكرناه في تفسيرها و {فرض} عيَّن ومنه قوله تعالى: {نصيباً مفروضاً} [النساء: 7] .
وقال: فرض له في العطاء والمعنى: قد بيَّن الله لكن تحلة أيمانكم.
واعلم أنه إن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصدر منه في تلك الحادثة إلا أنه التزم أن لا يعود لشرب شيء عند بعض أزواجه في غير يوم نوبتها أو كان وعد أن يحرّم مارية على نفسه بدون يمين على الرواية الأخرى.
كان ذلك غير يمين فكان أمرُ الله إياه بأن يكفر عن يمينه إما لأن ذلك يجري مجرى اليمين لأنه إنما وعد لذلك تطميناً لخاطر أزواجه فهو التزام لهن فكان بذلك ملحقاً باليمين وبذلك أخذ أبو حنيفة ولم يره مالك يميناً ولا نذراً فقال في"الموطأ": ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"من نذر أن يعصي الله فلا يعصه"أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام أو إلى مصر مما ليس لله بطاعة إن كلم فلاناً ، فليس عليه في ذلك شيء إنْ هو كلّمه لأنه ليس لله في هذه الأشياء طاعة فإن حَلف فقال:"والله لا آكل هذا الطعام ولا ألبس هذا الثوب فإنما عليه كفارة يمين"أ هـ.
وقد اختلف هل كفّر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه تلك.
فالتحلّة على هذا التفسير عند مالك هي: جعل الله ملتزم مثل هذا في حلِّ مننِ التزاممِ ما التزمه.
أي مُوجب التحلل من يمينه.
وعند أبي حنيفة: هي ما شرعه الله من الخروج من الأيمان بالكفارات وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم صدر منه يمين عند ذلك على أن لا يعود فتحِلَّة اليمين هي الكفارة عند الجميع.