أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن مخلد قال: أخبرنا داود قال: حدّثنا عبيد قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير في نفر فبكى رجل من القوم ، فقال: ما يبكيك؟ قال: أبكي لما أرى بك ولما يذهب بك إليه . قال: فلا تبكِ ، فإنّه كان في علم الله سبحانه أن يكون ، ألم تسمع إلى قول الله عزّ وجلّ: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ} الآية.
{لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} : تحزنوا {على مَا فَاتَكُمْ} من الدنيا ، {وَلاَ تَفْرَحُواْ} : تبطروا {بِمَآ آتَاكُمْ} . قراءة العامّة بمدّ الألف ، أي (أعطاكم) ، واختاره أبو حاتم .
وقرأ أبو عمرو بقصر الألف أي: (جاءكم) ، واختاره أبو عبيد ، قال: لقوله سبحانه: {فَاتَكُمْ} ولم يقل: (أفاتكم) فجعل له ، فكذلك (أتاكم) جعل الفعل له ليوافق الكلام بعضه بعضاً.
قال عكرمة: ما من أحد إلاّ وهو يفرح ويحزن فاجعلوا للفرح شكراً وللحزن صبراً.
{والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} : متكبّر بما أُوتي من الدنيا ، فخور به على الناس.
وقال ابن مسعود: لأن ألحسَ جمرة أحرقت ما أحرقت ، وأبقت ما أبقت ، أحبّ إليّ من أن أقول لشيء كان: ليته لم يكن ، أو لشيء لم يكن: ليته كان.
قال جعفر الصادق:"يا بن آدم ، مالك تأسّف على مفقود لا يردّه إليك الفوت؟ ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟".
وقيل لبزرجمهر: ما لك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات ولا تفرح بما هو آت؟ فقال: لأنّ الفائت لا يتلافى بالعبرة ، والآتي لا يستدام بالحبرة.
وقال الفضيل في هذا المعنى: الدنيا مفيد ومبيد فما أباد فلا رجعة له ، وما أفاد فقد أذن بالرحيل.
وقال الحسين بن الفضل: حمل الله سبحانه بهذه الآية المؤمنين على مضض الصبر على الفائت ، وترك الفرح بالآتي ، والرضا بقضائه في الحالتين جميعاً.