يعلم أهل الكتاب، قرأ الحسن والأعمش:"لئلَا يعلم أهل الكتاب"ساكنة الياء
مفتوحة اللام غير مهموزة، ابن مسعود:"ألا يقدروا"بغير نون، وقرأ:"ما كتبتها"
عليهم ولكن ابتدعوها"."
(فصل)
قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) قد تقدم بذكر اختلاف القراء
بها، وانقسم معنى الخطاب لأجل ذلك إلى معنيين:
أحدهما: إرادة إعلام أهل الكتاب، وذلك يتوجه على قراءة من قرأ:"ليعلم".
والثاني: إرادة ألا يعلموا، وعلى هذا الوجه مفهوم:"لئلا"و"لكيلا"فمعنى
قوله:"ليعلم أهل الكتاب"أي: المهتدون منهم يوم الجزاء، إذا وردوا ووردتم
وآتيتكم أجرين أجرين ولهم أجرًا أجرًا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله:
(وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) إذا قال لهم الله - جل شاؤه:"هل بخستكم من"
حقكم شيئا؟"قالوا: لا، قال:"فذلك فضلي أوتيه من أشاء"."
ومعنى قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) فإن المراد: ألا يعلموا وهم غبرات أهل الكتاب
الذين أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يؤمنوا، فيكون بقاؤهم كذلك على غفلتهم حتى يأتيهم
أمر الله، وهم الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم.
وفي الكتاب الذي يذكر أنه الإنجيل وكثيرًا يتقدم الآخرون الأولين، ويكون
الأولون ساقة الآخرين، ولذلك يشبه ملك السماوات برجل مَليّ خرج في استجارة
الأعوان لحفر كرمة في أول النهار، وعامل كل واحد منهم في نهاره على درهم، ثم
أدخلهم كرمة، فلما كان في الساعة الثالثة بصر بغيرهم في الرحاب لا شغل لهم،
فقال: اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم وسآمر لكم بحقوقكم، ففعلوا.
ثم فعل مثل ذلك في السَّاعة السادسة، هذه هي لعيسى - عليه السَّلامُ - ولأصحابه في
أول الأمر، والتاسعة هذه لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فلما كان في الساعة الإحدى عشرة هذه بينهما
في آخر الزمان إن شاء الله وجد غيرهم وقوفًا، فقال لهم: لِمَ وقفتم هاهنا طول
نهاركم دون عمل؟ فقالوا له: لأنا لم يستأجرنا أحد، فقال: اذهبهوا أنتم وسآمر لكم