هذا هو الأمر الذي لا يحتاج إلى قسم ، وتلك هي الحقيقة التي لا تحتاج إلى تبرير وتوكيد ..
فهذا الذي يتلوه النبي على الناس ، هو قرآن كريم ، فِي كتاب مكنون أي محفوظ ، عند اللّه سبحانه ، وإنه - لمقامه العظيم - لا يدنو منه ، ولا يطوف بحماه ، إلا المطهرون من عباد اللّه ، من ملائكة ، أو بشر. وفى وصف القرآن بالكرم ، إشارة إلى ما ينال الذين يمدون أيديهم إليه من عطايا ومنن به.
ومعنى المس للقرآن الكريم هنا - واللّه أعلم - هو التلبّس به ، والمباشرة له ، والإفادة منه .. فمن مسّ هذا القرآن الكريم وطاف بحماه ملتمسا الهدى منه - وجب أن يكون على صفة تناسب هذا القرآن ، من الطهارة ، والكرم ، والنقاء. فمن كان طاهرا ، لم يجد معاناة فِي الامتزاج والتجاوب معه ، سواء كان طاهرا بالقوة والفعل كالملائكة ، أم كان طاهرا بالقوة ، كمن كان فِي الناس سليم الفطرة ، معافى من الآفات التي تعرض لهذه الفطرة ، فتفسدها ، وتحول بينها وبين تقبّل الخير ، والتجاوب معه ، فمن كان من الناس ذا فطرة سليمة ، قرب من هذا القرآن ، واتصل به ، وأصاب من خيره ، فطهر من دنس الشرك ، والكفر .. وكان من المؤمنين الطاهرين ..
فالمسّ هنا ، ليس لمس المصحف باليد ، كما يذهب إلى ذلك كثير من المفسرين ، الذين اشتد خلافهم حول الحال التي يكون عليها من يمس المصحف ، وهل ينبغى أن يكون على طهارة مطلقة من الحدثين الأصغر والأكبر ، وهل ذلك على سبيل الاستحباب والندب ، أم أنه على سبيلى الوجوب والحتم.!!
وإنما المسّ الذي تشير إليه الآية الكريمة - واللّه أعلم - مسّ كلمات اللّه ومخالطتها للقلوب والعقول ، ذلك المس الذي يتأثر به الماسّ ، فيجد من أثر هذا المسّ فِي كيانه ، ما يجد - على بعد ما بين المشبه والمشبه به - من مسّ طيبا أو نحوه ،