ثم قال {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل كرمه الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم.
(فصل)
ثم قال تعالى {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ}
اختلف المفسرون في هذا فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ}
ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال إن المراد به أن المصحف لا يمسه إلا طاهر
والأول أرجح لوجوه:
أحدها أن الآية سيقت تنزيهاً للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} فنفي الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منه وقد يليق بمن
لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة، وكذلك قوله في سورة عبس {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ}
فوصف محله بهذه الصفات بياناً أن الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به.
وتقرير هذا المعنى أهم وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر.
الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية