وفي الآية: إشارة إلى أن التعليم والتسهيل إنما هو من الله تعالى، لا من المعلمين والحافظين. وقد علم آدم الأسماء، ووفقه لتعلمها، وسهله بإذنه، وعلم داود صنعة الدرع كما قال: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} ، وعلم عيسى علم الطب كما قال: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} ، وعلم الخضر العلم اللدني كما قال: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} ، وعلم نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - القرآن، وأسرار الألوهية كما قال: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} ، وعلم الإنسان البيان.
قال في"فتح الرحمن": ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق: أن الله تعالى ذكره في كتابه العزيز في أربعة وخمسين موضعًا ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق، ولا أشار إليه. وذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعًا كلها يدل على خلقه، وقد اقترنا في هذه السورة على هذا النحو، قاله المولى أبو السعود رحمه الله تعالى.
3 -ثم امتن بعد هذه النعمة بنعمة الخلق الذي هي مناط كل الأمور، ومرجع جميع الأشياء، فقال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} ؛ أي: آدم من أديم الأرض، قاله ابن عباس.
4 - {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) } ؛ أي: ألهمه الله سبحانه وتعالى بيان كل شيء، وأسماء كل دابة تكون على وجه الأرض. وفي"بحر العلوم": {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} ؛ أي: آدم، وعلمه الأسماء واللغات كلها، وكان آدم يتكلم بسبع مائة لغة، أفضلها العربية، انتهى.
يقول الفقير: وفيه إشارة إلى أن الله تعالى قد تكلم بجميع اللغات سواء كان التعليم بواسطة أم لا،
فَإِنْ قُلْتَ: كيف يتكلم الله باللغات المختلفة، والكلام النفسي عار عن جميع الأكسية؟
قلت: نعم، ولكنه في مراتب التنزلات والاسترسالات لا بد له من الكسوة. فالعربية مثلًا كسوة عارضة بالنسبة إلى الكلام في نفسه، وقد ذقنا في أنفسنا أنه يجيء الإلهام والخطاب تارة باللفظ العربي، وأخرى بالفارسيّ، وبالتركي مع كونه بلا واسطة ملك؛ لأن الأخذ عن الله لا ينقطع إلى يوم القيامة. وذلك بلا واسطة، وإن كان الغالب وساطة الملك من حيث لا يرى، فاعرف ذلك.